حزب الله خطاب لبناني أم إيراني؟! قراءة مقارنة: "تفصيل المجمل" والمقدمة واحدة
التدقيق في مصطلحات الوثيقة السياسية لحزب الله يؤكد أن الحزب دخل بلغة الوثيقة السياسة ومصطلحاتها مرحلة "الخطاب الراديكالي الإيراني" إذ أدخل رسمياً مفردات الدستور الإيراني في تقسيم العالم إلى فئتين "مستكبر" و"مستضعف" وبموجب نصّ رسمي صادر عن حزب الله، وهذا أمر يستدعي التوقف عنده لخطورته الشديدة على لبنان واللبنانيين.. وقبل أي تفنيد لهذا الخطاب الاصطلاحي ـ الراديكالي الإيراني الذي يدخله لبنان من بوابة حزب الله ووثيقته السياسية، يستوقف المتابع أيضاً أن الحديث عن "الاستراتيجية الدفاعية" و "سلاح المقاومة" في "الوثيقة السياسية" لحزب الله لم يلقِ هذا الكلام جزافاً، بل هو قنبلة دخانية أطلقها الحزب لإلهاء الداخل اللبناني عن خطورة جوهر ما طرحه في وثيقته..
ولا تقرأ مقدّمة الوثيقة السياسية لحزب الله إلا في ضوء مقدمة رزمة الاقتراحات الإيرانية وبالمقارنة معها والتي قدمتها إيران في 14 أيلول الماضي الى مجموعة الدول الست، بحسب رؤيتها لمحاور المفاوضات بين الجانبين، وفي ترجمة حرفية للوثيقة الإيرانية التي جاءت تحت عنوان؛ حزمة اقتراحات الجمهورية الإسلامية – من أجل مفاوضات شاملة وبنّاءة: "لا شك أنّ عالمنا يقف على عتبة دخول عصر جديد، العصر الصعب الذي اتسم بسيطرة الإمبراطوريات، وهيمنة القوى العسكرية، وشبكات الإعلام المنظم والمنافسات على أساس القدرة العدائية والقوة المستمدة من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، شارف على نهايته"..
المقدمة هذه نفسها "المجملة" لضرورات تقيّة الديبلوماسيّة الإيرانية، نجدها مفصّلة تفصيلاً دقيقاً في مقدمة الوثيقة السياسية لحزب الله وفيها: "في مرحلة سياسية استثنائية وحافلة بالتحولات لم يعد ممكناً مقاربة تلك التحولات من دون ملاحظة المكانة الخاصة التي باتت تشغلها مقاومتنا، أو تلك الرزمة من الإنجازات التي حققتها مسيرتنا. وسيكون ضرورياً إدراج تلك التحولات في سياق المقارنة بين مسارين متناقضين وما بينهما من تناسب عكسي متنامٍ: مسار المقاومة والممانعة في طوره التصاعدي وإمالة موازين القوى في المعادلة الإقليمية لصالح المقاومة وداعميها. مسار التسلط والإستكبار الأميركي – الإسرائيلي وحال من التخبط والتراجع والعجز في القدرة على التحكم في مسار التطورات والأحداث في عالمنا العربي والإسلامي.
تتكامل هذه المعطيات في إطار مشهد دُوليّ أوسع، يُسهم بدوره في كشف المأزق الأميركي وتراجع هيمنة القطب الواحد لمصلحة تعددية لم تستقر ملامحها بعد. وما يعمّق أزمة النظام الاستكباري العالمي الانهيارات في الأسواق المالية الأميركية والعالمية) …( لذا يمكن القول: إننا في سياق تحولات تاريخية تُنذر بتراجع الولايات المتحدة الأميركية كقوة مهيمنة، وتحلُّل نظام القطب الواحد المهيمن، وبداية تشكّل مسار الأفول التاريخي المتسارع للكيان الصهيوني". وكفى بهذا التفصيل الذي قدّمه حزب الله توضيح بليغ لما أجملته إيران في مقدّمتها..
وأغرب ما وقعنا عليه بالأمس، أن أحداً لم يتنبّه إلى الأولويات التي وضعها حزب الله وفي ترتيب شديد الدقة، وهو "يحدِّد الخطوط الأساسية التي تشكّل إطاراً فكرياً – سياسياً لرؤيته ومواقفه تجاه التحديات المطروحة". فقد قدّم قسّم وثيقته مانحاً الأولوية فيها لعنوان "الهيمنة والاستنهاض"، وبعض السياسيين السذّج قد يقرأونها على أنها تخصّ الداخل السياسي اللبناني، فيما هي " خطاب عالمي" يعلنه الحزب لأول مرة واضعاً لبنان واللبنانيين – شاؤوا أم أبوا – في محور مواجهة الاستكبار الأميركي!! فجاء ترتيب الوثيقة على الشكل الآتي:
" الفصل الأول (تحت عنوان) الهيمنـة والإستنهـاض، أولاً : العالم والهيمنة الغربية والأميركية (…) ثانياً: منطقتنا والمشروع الأميركي .. وتوسّع الحزب في قراءته إلى حدّ أنه بدأها منذ ما "بعد الحرب العالمية الثانية باتت الولايات المتحدة صاحبة مشروع الهيمنة المركزي والأول" وانتهى بعد رسم مشهدية مأسوية للنهاية الأميركية إلى " تآكل الهيبة الأميركية دُوليّاً وإلى تراجع استراتيجي في قدرة الولايات المتحدة على الفعل أو خوض المغامرات الجديدة". وتكشف فقرة "ثانياً: منطقتنا والمشروع الأميركي" ومصطلحاتها مثل: "العالم المستضعَف"، و"الهيمنة الإستكبارية".. وأن: "الخطر الأميركي ليس خطراً محلياً أو مختصاً في منطقة من دون أخرى، وبالتالي فإنّ جبهة المواجهة لهذا الخطر الأميركي يجب أن تكون عالمية أيضاً"، أن حزب الله أصبح رأس حربة إيران في المواجهة مع أميركا والدول الأوروبية في الصراع على مشروعها النووي، وتحت عنوان "خطر الاستكبار الأميركي وضرورة مواجهته عالمياً"!!
هكذا أدخل حزب الله في وثيقته السياسية لبنان وشعبه في مواجهة "الاستكبار الأميركي العالمي"، في تطابق مذهل مع ديباجة الدستور الإيراني التي حددت – ضمن أهداف الجمهورية الإسلامية – السعي مع الحركات الإسلامية والجماهيرية الأخرى لبناء الأمة العالمية، وتؤكد المادة الثالثة من الدستور الإيراني الدعم المطلق لمستضعفي العالم كهدف من أهداف الجمهورية الإسلامية. فيما تشير المادة 154 إلى التزام إيران العمل على إقامة حكومة الحق والعدل في أرجاء الأرض، وحماية الكفاح الشرعي للمستضعفين ضد المستكبرين في أي مكان في العالم.
منذ عام 1979، اعتبر مرشد الجمهورية السابق "الخميني" الولايات المتحدة بأنها العدو الأول لإيران وطالب بتكرار ثورة إيران في البلدان الإسلامية الأخرى كخطوة أولى نحو التوحد مع إيران في دولة واحدة يكون مركزها إيران، ورأى أن للثورة الإيرانية دوراً عالمياً لمساندة المستضعفين عبر العالم، معتبراً أن الدولة الإسلامية في إيران ستمثل قائداً للمستضعفين في الأرض، وتعهد بتصدير الثورة الإيرانية إلى كافة أرجاء الأرض، وعد ذلك ضمن واجبات الثورة الإيرانية. وفي شباط عام 1979، أكد آية الله طلقاني أنه "وبما أن الإسلام دعا إلى "نصرة المستضعفين" في الأرض فهذا واجب الثورة الإيرانية لأنها "الثورة الأم" لـ "المستضعفين" ليس فقط في العالم الإسلامي، وإنما في العالم أجمع".
ثمة جملة شديدة الأهمية في الوثيقة السياسية لحزب الله، وهي تستحق "الزخرفة" والقراءة صباحاً ومساءً: "لم يترك الإستكبار الأميركي لأمتنا وشعوبها من خيار إلاّ خيار المقاومة" !! هكذا نقل حزب الله الصراع إلى مرحلة جديدة تتيح له بموجب نص الوثيقة الدخول في حرب الدفاع عن المشروع النووي متى وقعت المواجهة التي باتت "قاب قوسين أو أدنى"..
> غداً.. "الفصل الثاني": لبنان، حزب الله والوثيقة السياسية : لبنان ثانياً..