أين "التحوّل" من عدمه؟
إذا صحّ الكلام عن "تحوّل" لدى "حزب الله" في وثيقته "التأسيسية" الثانية، فربما يتعين التدقيق اكثر في مضمون هذا التحول قياسا بتجارب تحولات اخرى سبقته لدى قوى من غير طائفته.
تظهر هذه الوثيقة بكل مندرجاتها ان "حزب الله" خرج منذ زمن بعيد، وليس الآن، من عمر "المراهقة الثورية" وانخرط في الصيغة اللبنانية الميثاقية، ولكن على طريقته وبأنماطه الخصوصية، فـ"زاوج" (والكلمة لأمينه العام السيد حسن نصرالله في سياق حديثه عن المزاوجة بين الدولة والمقاومة) بين كونه حركة اسلامية لم تتخل عن معتقداتها الايديولوجية والدينية وبين طروحاتها السياسية. ليس ثمة تحول انقلابي إذاً لدى الحزب الا اذا احب مريدوه وحلفاؤه تعظيم الوثيقة والجنوح بها ابعد مما يرسمه مضمونها والاهداف المعلنة والخفية لوضعها واعلانها وتوقيتها. وليس من دليل اقوى على ذلك من كون الوثيقة فعلا تكريسا مكتوبا وموثقا لمجمل التجارب السياسية التي خاضها الحزب منذ انخرط عمليا في النظام مع الانتخابات النيابية الاولى بعد الطائف عام 1992.
التحول في هذا المجال يصح لجهة اقتناع الحزب ان الصيغة اللبنانية التقليدية كانت الوعاء الارحب والاصلح والاكثر ملاءمة له من اي "جمهورية اسلامية" صرفة لا تحتملها هذه الصيغة، كما لم تحتمل قبلها اي "وطن مسيحي" صرف. بل ان بيئة التعدد والحريات شكلت بالنسبة اليه التجربة القاطعة على ان لا مقاومة حتى لدى انظمة "قومية" الا في نظام حر. وبذلك لا يعود ممكنا تجاهل الاثر الايجابي الواضح للمصطلح المغرق في "لبنانيته" عن الانتماء الى لبنان الواحد الموحد وكل ما يرتبط به في صياغة يبدو واضحا ان واضعيها بذلوا جهدا خاصا لاقامة فارق شاسع بينها وبين الوثيقة الاولى ذات التوجهات الاسلامية البكر، على سبيل طمأنة الشركاء الداخليين الى ان الحزب اضحى "صيغوياً ميثاقياً" ولو من موقع الاختلاف السياسي مع آخرين.
اما قياسا بتجارب سواه من هؤلاء الآخرين، فلا يصح الكلام عن تحوّل لا بالمعنى السياسي الواقعي ولا بالمضمون الذي تحمله الطروحات والتوجهات الوضعية للوثيقة. بل يمكن الاستخلاص ان ازمة النظام لا تزال بعد هذه الوثيقة ازمة الازمات في لبنان.
فالوثيقة لا تبلغ بمعايير "التحول" ما بلغه الحليف المسيحي الرئيسي للحزب العماد ميشال عون من تحولات هائلة لدى "ابرامه" وثيقة التفاهم مع "حزب الله" نفسه، وما تبعها من تحولات اخرى كبيرة داخلية وخارجية توجتها زيارته لسوريا، مستبقا مسيرة اعادة التطبيع في العلاقات الرسمية والديبلوماسية بين لبنان وسوريا. ذلك التحول رسم اثراً لعله الاضخم والاعمق في الوضع المسيحي وعبره في الوضع اللبناني الاشمل لا يمكن معه وصفه بأقل من تحول جذري وراديكالي.
كما ان الوثيقة لم تخط من ضفة الى اخرى او حتى الى نصف ضفة في تغيير معالم المشهد الداخلي على غرار ما حصل في 2 آب الماضي مع خروج الزعيم الدرزي وليد جنبلاط من قوى الغالبية و14 آذار بعدما كان ابرز قادتها ورافعاتها ورأس حربتها. والحزب نفسه، مع حلفائه، يدينون لرئيس "اللقاء الديموقراطي" قبل اي موقع وعامل آخرين بالظفر بما نالوه في الحكومة الجديدة من امتيازات راكمت لهم مكاسب واقعية اضافية بعد اتفاق الدوحة ومستتبعاته بفعل ذلك التحول الجنبلاطي وتوقيته المباشر عقب انتخابات 7 حزيران.
بطبيعة الحال لا يرمي سوق هذه الحقائق الى تقليل شأن الوثيقة لحزب يتمتع باقتدار استثنائي، خصوصا من حيث كونه المقاوم الاقوى والاعتى لاسرائيل بما يجعله محط اهتمام دولي واقليمي ومحلي دائم غير قابل للانكار، مهما انقسمت حياله المواقف الداخلية وتفاوتت في شأن سلاحه التوجهات السياسية. لكن هذه الحقيقة الموضوعية لا تحجب او تسقط حقيقة موضوعية موازية لها تماما، وهي ان الوثيقة تعمق في الجانب الآخر منها الصراع السياسي المفتوح على ازمة النظام وتزيد تعقيداتها. فاشتراط "دولة عادلة قوية" لمنحها حقها في قرار السلم والحرب يماثل تماما اشتراط الغاء الطائفية السياسية واستمرار الديموقراطية التوافقية لاقامة ديموقراطية سوية حقيقية تعتمد حكم الاكثرية ومعارضة الاقلية. وكلاهما خاضع لمعايير ربما تحتاج الى 28 سنة اخرى بمنطق "توازن الردع" المانع الفعلي لقيام الدولة والذي لم يغب اطلاقا عن خلفية الوثيقة.