ما سرّ الدعوات المفاجئة إلى تطبيق بند إلغاء الطائفية السياسية ؟
عاصفة المادة 95 إلى انحسار… في انتظار "الأجواء الملائمة"
عُرف الساسة اللبنانيون تاريخيا باتقان لغة "التذاكي" بعضهم على بعض. ومنذ ما قبل دستور 1926 يتبادلون رمي الكرة: يقدم أحدهم فكرة او مشروعا ذا طابع وطني ويعني الجميع، ليتبين لاحقا إنه يمارس لعبة "التكتيك" لقطع الطريق على مشروع آخر لا مصلحة له في طرحه. وهكذا دواليك، أجيال تنمو مع الانقسام، ولا تهمها معرفة طبيعة المشكلة!
وعلى هذه الخلفية لم "يقبض" اللبنانيون جدياً فكرة انشاء الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، لا لأنهم في غالبيتهم الساحقة طائفيون بالفطرة، أو لعدم وجود وطنيين لا طائفيين وعلمانيين في الشعب اللبناني، بل لأنهم يدركون عقم هذه المحاولات، قديما، منذ عهود القناصل وأزمنة الانتداب وأقله منذ عام 1840. وحديثا منذ 66 عاما عندما جاء في البيان الوزاري للحكومة الاولى بعد الاستقلال برئاسة رياض الصلح "أن ساعة الغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية"!
ولئن يكن التشكيك في بعض الدعوات التي صدرت في الفترة الاخيرة لانشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية مبررا أم لا، فقد نص عليها الدستور اللبناني في المادة 95.
ووردت في الفقرة "ح" من مقدمة الدستور: "الغاء الطائفية السياسية هدف وطني يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية" وقد فُصّلت في المادة 95 على النحو الآتي: "على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. مهمة الهيئة درس الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها الى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية.
وفي المرحلة الانتقالية: أ – تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة.
ب – تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاية في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والامنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقا لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الاولى فيها وفي ما يعادل الفئة الاولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين من دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاية".
واذا كانت الدعوات الى انشاء هذه الهيئة قد ووجهت بردود حادة من سياسيين وقيادات مسيحية بارزة تتوجس من توقيتها ومراميها وتتهم رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي كان وراء اطلاقها قبل اكثر من أسبوع بـ"المناورة" وبأنه يستهدف الرد على مواقف لرئيس الجمهورية ميشال سليمان تتعلق بصلاحيات الرئاسة، أو على البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير في مواقفه الهجومية على "ازدواجية السلاح" بين الجيش والمقاومة وانتقاده "التفرد في قرارات الحرب والسلم" في اشارة واضحة الى "حزب الله" وسلاح المقاومة، فقد كان لافتا ان هذه الدعوة، أحدثت انقساما طائفيا حتى بين الحلفاء في المعارضة، إذ دعا أحد أطرافها البارزين النائب ميشال عون، "حليف حليفه" رئيس مجلس النواب الى سحب دعوته من التداول، مستعملا كلمة "استردادها" لافتا اياه الى أنها تتطلب تشاورا بين رؤساء الكتل النيابية.
وفي ظل "الجزر" و"المربعات" السياسية والمناطقية والفئوية، سيظل الغاء الطائفية السياسية – ويجب ان يبقى – طموحا مشروعا للبنانيين جميعا، ولكنه يحتاج الى تحضير باعتراف الجميع بمن فيهم "غلاة" المطالبين بانشاء الهيئة المعنية، وحتى بعض من شاركوا في "كتابة" الدستور اللبناني الذي انبثق من اتفاق الطائف عام 1990. ومن هؤلاء المرجع القانوني والدستوري الوزير السابق خالد قباني الذي يخشى في ظل الاجواء الراهنة "أن يتحول الحل الى معضلة جديدة" اذا لم تحصّن الخطوة بصمامات أمان تشكل ضمانات للطوائف والمجموعات السياسية المنبثقة منها بشأن وجودها في القرار السياسي وعدم تعرضها للالغاء والتهميش".
وكان الغاء الطائفية "طموحا" ورد في دستور 1926 وفي المادة 95 "إياها" التي نصت على قاعدة "تمثيل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة" ولكن "بصورة موقتة، والتماسا للعدل والوفاق" على أمل الغاء الطائفية في ما بعد.
وفي رأي قباني ان الدستور الحالي قد تميز بوضع آلية لالغاء الطائفية. وأن تحقيق هذا الهدف "يجب ان يقترن بخطوات عملية في اتجاه بناء الثقة وتوفير الاجواء التي تطمئن الجميع ولا تجعل من الغاء الطائفية هاجسا لدى البعض وتخوفه من أن تكون مدخلا لسيطرة طائفة على أخرى" وأن أية خطوة في اتجاه الغاء الطائفية "يفترض ان يواكبها استحداث مجلس الشيوخ الذي نص عليه الدستور في المادة 22، بحيث يكون هذا المجلس بمثابة صمام أمان للطوائف التي تتمثل جميعا فيه". وهو بذلك يتقاطع مع اقتراح مماثل لرئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط في مقاله الاسبوعي أمس لجريدة "الأنباء" الناطقة باسم الحزب التقدمي الاشتراكي.
وكان لافتا في المقال نفسه تساؤل جنبلاط: "ما الذي يمنع مثلا تطبيق المداورة بين الرئاسات؟" لعل البداية الفضلى لهذا الاقتراح يمكن أن تكون في تطبيق المداورة على وظائف الفئة الاولى، أو على الوزارات التي باتت تصنف بين سيادية وأساسية، ودرجة أولى ودرجة ثانية…
وأمام هذا الواقع غير الصحي، ينتظر أن تنحسر عاصفة الدعوة الى الغاء الطائفية السياسية والسجالات التي دارت حولها، ولا يبدو مشروع الغائها "مشروعا" مكتوبا له النجاح في المدى المنظور، وحتى اشعار آخر، بل ربما "جيل" آخر أقله في نظر البعض، في انتظار التحضيرات والاجواء الملائمة…
وفي الانتظار، سيستمر "التذاكي" المتبادل بين الساسة اللبنانيين!