وثيقة "حزب الله".. القديم على قٍدَمه
أطلق "حزب الله" وثيقته السياسية بعد 24 عاماً من الرسالة المفتوحة التي كانت النص الوحيد المكتوب الذي تكلّم عن دور الحزب وأهدافه قبل يوم أول من أمس.
عام 1985 قال الحزب ما نصه: "إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط. كل واحد منا يتولى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد. نحن في لبنان لا نعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران… نحن نعتبر أنفسنا – وندعو الله أن نصبح جزءاً من الجيش الذي يرغب في تشكيله الإمام من أجل تحرير القدس الشريف".
أول من أمس، أطل الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله على اللبنانيين، بوثيقة أخذت من "كوادر وقياديي الحزب الكثير من التحضير والوقت" والمؤتمر العام للحزب أُجل غير مرّة قبل الوصول إلى إقرار "الأسس" التي ترسم له خارطة الطريق المستقبلية في العمل السياسي وغير السياسي داخلياً وخارجياً.
ففي الوثيقة رقم 2، اقحم "حزب الله" الكثير من المصطلحات، وكانت اللكنة الطاغية في مضمون الوثيقة لبنانية أكثر من سابقتها، فلا التكليف الشرعي حضر، ولا الالتزام بأوامر "القيادة الحكيمة المتمثلة بالولي الفقيه" كان لها وجود، بالرغم من أن الأمين العام وفي معرض رده على أسئلة الصحافيين عاد وذكر بأن "موقفنا من مسألة ولاية الفقيه هو موقف فكري وعقائدي وديني وليس موقفا سياسيا خاضعا للمراجعة". ولم ير الأمين العام للحزب أي تناقض بين "الانخراط في الحياة السياسية ومشاركتنا في بناء مؤسسات الدولة وايماننا والتزامنا ولاية الفقيه".
"حزب الله".. إلى "السياسة"
أعلن "حزب الله" انخراطه في الحياة السياسية اللبنانية من "الباب الواسع"، طارحاً معادلات "للحكم" وكيفية "الحكم"، ومحدداً الدول الصديقة وفي طليعتها "إيران وسوريا"، والدول "العدوة" من "الغرب وأميركا وصولاً إلى العدو الاسرائيلي"، وذهبت الوثيقة بعيداً في رسم الأفق السياسي للمرحلة المقبلة، انطلاقاً من أن محور الممانعة هو المنتصر وهو الذي سيرسم سياسات المنطقة من اليوم وصاعداً، وتأسيساً على هذه الاعتبارات، دعا "حزب الله" إلى "اعتبار المقاومة هي الحل" وهي التي ستفرض ايقاعها من اليوم.
ولم تأت الوثيقة على ذكر اتفاق الطائف باعتباره دستور لبنان إلا في "موضوع عروبة لبنان"، وفي مكان آخر، كان لافتاً ربط الحزب "استمرار الديموقراطية التوافقية إلى حين إلغاء الطائفية السياسية"، كذلك حديثه عن "المزاوجة بين وجود مقاومة شعبية وجيش وطني، في عملية تكامل اثبتت المرحلة الماضية نجاحها في ادارة الصراع مع العدو"، وهذا ما أثار استغراب العديد من المراقبين الذين رأوا في هذا البند "نسفاً مسبقاً لطاولة الحوار ولأي حديث عن استراتيجية دفاعية، كذلك وضعاً للنقاط على الحروف، بأن السلاح خط أحمر لا يمس بأي شكل من الأشكال".
ولعلّ الموقف الأبرز حول الجدل الذي ستثيره الوثيقة كان لوزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية محمد فنيش لدى سؤاله عن "الوثيقة"، وإجابته: "نحن قدمنا رؤيتنا السياسية وليس من واجبنا التعليق، بل نترك للأطراف الأخرى أن تبدي رأيها".
توثيق "العقيدة والمبادئ"
الوزير عن "حزب الله" لم يقدم اي اضاءة على بعض ما ورد في الوثيقة، أو حتى التعليق عمّا قيل فيها، ويترك للأطراف الأخرى الحديث وإبداء الرأي.
ويقول نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية جوزيف أبو خليل، انه لم ير "بالوثيقة أي شيء جديد سوى توثيق للسياسة التي انتهجها حزب الله في الماضي والتي تبلورت أكثر وأكثر في السنوات القليلة الماضية".
أما الحزب التقدمي الاشتراكي والذي يحاول أن يمايز نفسه عن الأفرقاء كافة، فإن أوساطه فضلت التريث في إبداء الرأي حول الوثيقة "لأن رئيس الحزب يعكف على دراستها وسيكون لنا موقف مما تضمنته"، إلا أن هذه الأوساط ترى كإنطباع أوّلي "أنه من المفيد أن يقدم حزب الله في وثيقة توجهاته ورؤيته للوضعين الداخلي والخارجي".
إلا أن أبو خليل يرى أن "الجديد الوحيد هو دخول حزب الله في اللعبة السياسية اللبنانية محاولاً أن يبرر وجوده"، لكنه في نفس الوقت يقول: "ماذا يقول لنا الحزب، عدا عن أنه وُجد لإزالة اسرائيل من الوجود".
يستفيض القيادي "الكتائبي" بالحديث: "يتكلمون عن إلغاء الطائفية السياسية وهم يعلمون أن إلغاءها لن يتم بهذه السهولة، وبالتالي من غير المقبول ربط بين تطبيقها والإبقاء على الديموقراطية التوافقية"، وهنا يقول: "الدستور اللبناني ينص على الديموقراطية التوافقية أي أكثرية الثلثين، ولكنهم يعطلون كل شيء. ما هذه المفارقة؟. يلغون كل ما له علاقة بالمعارضة. لا يستطيعون تحديد مفهوم واضح للدولة. هل هي الدولة التي تأخذ من الأنظمة الاستبدادية مثالاً للحكم. مفهوم الدولة بسط سيادتها على الجميع من أحزاب وأشخاص وأراض، لكنهم لا علاقة لهم بالدولة، هم يريدون مشروع سلطة لا أكثر ولا أقل".
لا جديد يُقدم
حاول الحزب أن ينزع عن "الوثيقة" الصبغة العقائدية، إلا أنه "أكد الارتباط بإيران" وهذا ما أثار استغراب أبو خليل: "يؤمن بولاية الفقيه ويريد أن يحكم لبنان"، ويسأل: "كيف سنبني دولة وهم مستقلون عن كل ما له علاقة بالدولة؟"، ويجيب: "يريدون استراتيجية دفاعية ليشرّعوا وجودهم وسلاحهم، أما الحديث عن طاولة حوار، فعلى اللبنانيين ألا يعلقوا عليها أي آمال".
"الجديد الذي تحدثت عنه الوثيقة غائب تماماً"، بحسب ما يقول عضو الأمانة العامة لقوى 14 آذار النائب السابق مصطفى علوش، الذي يضيف: "ليس فيها سوى بعض المحسنات اللفظية، فبعد أن كان أمة حزب الله اليوم يتكلمون عن النسيج اللبناني، ولكن ليس هناك في المضمون أي تراجع عن الوثيقة السابقة".
ويقول علوش في معرض قراءته لأبرز ما تضمنته الوثيقة من عناوين: "هي إعادة تلخيص لمواقف الحزب في السنوات الأخيرة، من وجود ثنائية الجيش والسلاح الخارج عن سلطة الدولة، واعترافه بالمدى الأممي للحزب عبر تعميمه مبدأ المقاومة والارتباط العضوي بإيران، وصولاً إلى تأكيد حزب الله على أن كل من يعادي إيران هو خائن".
"الحوار" انتهى
يلفت القيادي في "تيار المستقبل" إلى أن "حزب الله لم يقدم أي تقييم للتجربة الماضية ولا سيما في مواضيع شكلت إحراجاً للدولة اللبنانية، منها خلية الحزب في مصر، والحوثيون"، ويضيف: "في وقت العالم كله في خصام مع إيران والعالم العربي أصبح قيد أنملة من المواجهة معها، يبدو أن الحزب في مكان آخر تماماً ويريد من الجميع الذهاب معه في نفس التيار، وهذا الحديث عن اصطفاف في مواجهة أنظمة التبعية يؤكد وجود حزب الله في محور لم يبق فيه سواه، بعد أن غادرته سوريا".
انطلاقاً من موقف الحزب من المحيط العربي، ونقمته على المجتمع الدولي وعدم اعترافه بالقرارات الدولية، يرى علوش: "أن كل هذه مؤشرات ومقدمة لإقحام لبنان في صراعات جديدة، وهو يصر على أنه أكبر من لبنان، فهو لا يعترف بالدولة ولا يؤمن بأنه جزء منها، المثال الصارخ بالنسبة إليه هي إيران وهذه إشكالية كبرى، لأنه حين تنتفي التطمينات حول الهدوء الإقليمي، سيكون لبنان ساحة الصراع المتقدمة لإيران مع المجتمع الدولي برمّته".
كما يتحدث علوش عن المفارقات الكثيرة التي أوردها "حزب الله" في وثيقته، فعلى سبيل المثال: "هو تحدث عن أنه ضد الفدرالية، ولكنه مصر على الفدرالية الطائفية وقدرة الطائفة على العرقلة خير دليل على ذلك، وتحدث عن الوطن فيما يبقي العقيدة التأسيسية هي المتحكمة بكل تحركاته".
ويلتقي علوش مع القيادي الكتائبي في ما خص "طاولة الحوار"، ويقول: "أي شخص يعوّل على الوصول إلى تسوية مع حزب الله في الحوار، هو بان على وهم، فهم من خلال الوثيقة وما قبل صدورها يؤكدون أن البحث في السلاح يأتي خارج الاستراتيجية الدفاعية، وأي محاولة لتجريد الحزب بعض المكتسبات ستؤدي إلى 7 أيار جديد".