من نصدق؟
… قبل عدة أيام من الازمة بأسبوع أو عشرة أيام، صرّح حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد بأن الإمارة تجاوزت الازمة المالية العالمية، ولم تتأثر بها، وجاء هذا التصريح ليطمئن الناس، خصوصاً المستثمرين منهم، ولكن، في الوقت عينه، كان هناك ما يثير الريبة، إذ ان مائة ألف لبناني يعملون في دبي ترك نصفهم عائداً الى البلد لصعوبات في العمل، واللافت أن أكثر المغادرين كانوا يذهبون الى المطار بسياراتهم التي يركنونها في مرآب المطار، وهي في غالبيتها مشتراة بقروض من المصارف لم يسدّد أصحابها ما يتوجب عليهم، ولكن مع ذلك، فإن المفاجأة الصاعقة كانت ومنذ أيام إعلان "دبي العالمية" انها لن تسدّد التزاماتها المالية، وطالبت المقرضين بتأجيل قبض مستحقاتهم، والعجز بلغ 95 مليار دولار في وقت صرفت شركة "النخيل" التابعة لها الآلاف من موظفيها.
…. وتبيّن بعد ذلك أن دبي ذهبت الى أكثر مما ينبغي في استثمارات ثبت انها بلا جدوى، كبناء أعلى برج في العالم، والبناء على البحر (شركة النخيل) وبناء عقارات لا يوجد من يشغلها، والخ… من عمليات البذخ والتي لا فائدة ولا طائل منها.
… قطعاً، وكما كتبنا في هذه الزاوية، لم يكن أحد يتمنى أن تقع دبي في المأزق، خصوصاً أن اللبنانيين لعبوا دوراً ايجابياً من خلال إقامة شركات، أو تقديم خبراتهم الهندسية والعلمية والتقنية والإدارية، ومع ذلك، فقد كان هناك من المحللين الدوليين والاقتصاديين من كان يقول منذ سنوات إن دبي ستنهار في العام 2010.
… سمعنا أمس حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد يطلق تصريحاً يؤكد فيه أن إمارته أقوى من الازمة (يا جبل ما يهزك ريح)، ولكنه في الوقت عينه لم ينف إطلاقاً وجود الازمة الضخمة، إلا ان الواقع يقول إن الازمة تفاقمت، ووصلت الى عجز يقدر بـ125 مليار دولار، وهي مرشحة للارتفاع، وأيضاً، فان التداول في بورصة دبي كان يصل الى مليار ونصف دولار قبل الازمة، ولكن بعدها اصبح 24 مليون دولار، والفارق كبير وشاسع، وهو يعكس عمق الازمة.
تصريح الشيخ محمد بن راشد ترك تساؤلات، وطرح علامات استفهام، خصوصاً انه صادر عن أعلى سلطة في الإمارة، وعن مهندس استثماراتها كما يقال.
وفي تطور لافت قال مدير عام دائرة المالية عبد الرحمن آل صالح في دبي، إن حكومة الإمارة لا تضمن مجموعة "دبي العالمية"، وهي أساس الازمة، وقال إن "دبي العالمية" تأسست كشركة تجارية مستقلة، وصحيح أن الحكومة هي المالك، ولكن بحكم أن للشركة نشاطات متعددة ومعرضة لأنواع متعددة من المخاطر، لذلك كان القرار ان الشركة غير مضمونة من الحكومة، واعتبر آل صالح ان "على المقرضين تحمل جزء من المسؤولية بحكم إقراضهم للشركة بناء على جدوى مشاريعها وليس بناء على ضمانات مقدمة من الحكومة".
.. في المبدأ، هناك تناقض بين ما أدلى به الشيخ محمد بن راشد وما قاله مدير عام مالية الإمارة، إذ أن حاكم دبي أعلن وبوضوح ان الازمة الحالية ستنتهي، وأطلق إشارات تطمئن المستثمرين، بينما مدير ماليته تنصّل من مسؤولية الحكومة عن ذلك، على الرغم من اعترافه بأن "دبي العالمية" مملوكة للحكومة.
اذاً، من المسؤول عن أموال المقرضين؟
ومن نصدّق؟
وأسئلة كثيرة قد تطرح في هذا المجال، ولكن أكثر الاسئلة واقعية هو، ما دامت الحكومة تمتلك هذه المجموعة، وهي وفي القانون مسؤولة عن الربح والخسارة، وهي على هذا الاساس الضامنة للاموال بصفتها تملك وتدير، فهل يجوز لهذه الحكومة القول إنه لا علاقة لها، ولن تتحمّل مسؤولية سداد المقرضين أموالهم؟
… وأيضاً، ماذا لو جنت الشركة الارباح التي تصب في مصلحة الحكومة، أكان من الممكن أن تتنصّل اليوم من سداد ما يتوجب عليها؟
.. على كل حال، يبقى السؤال الاساسي هو، من ينقذ دبي من ازمتها؟
ثم، هل ستشتري ابو ظبي دبي؟