#adsense

“السياسة”: وثيقة “حزب الله” تلونه بألوان لبنانية في الشكل لكن ولاية الفقيه تبقى الأساس

حجم الخط

"السياسة": وثيقة "حزب الله" تلونه بألوان لبنانية في الشكل لكن ولاية الفقيه تبقى الأساس

كتبت صحيفة "السياسة" الكويتية: انتظر اللبنانيون من الوثيقة السياسية الجديدة لـ"حزب الله" أن تجيب على تساؤلاتهم عن حقيقة نواياه السياسية، وأن تبدد هواجسهم من سلوكه في السنوات الأخيرة، أي أن تقدم قراءة نقدية لتلك المرحلة كمقدمة ضرورية لقبول هذا الحزب في إطار الأحزاب السياسية الكثيرة في لبنان.

وبعبارة واحدة، انتظر اللبنانيون أن "يتلبنن" حزب الله، لكن أمينه العام السيد حسن نصر الله في قراءته للوثيقة وفي الإجابة على أسئلة الصحافيين بعد ذلك، لم يفعل سوى تأكيد المؤكد، وتثبيت مخاوف اللبنانيين وهواجسهم.

فالسلاح بما هو أداة خارجية لتصفية الحسابات الإقليمية، ووسيلة داخلية لفرض الأمر الواقع، بقي الأساس في هذه الوثيقة. فهو البداية وهو النهاية، وعلى بقائه وحماية هذا البقاء تقوم كل فلسفة "حزب الله" السياسية، ونظرته إلى الدولة، والى العلاقات اللبنانية اللبنانية، والى علاقات لبنان بالخارج، وصولاً إلى كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والدستورية والاجتماعية لهذا البلد.

لا شك أن الوثيقة حملت تغييراً بالمقارنة مع الإعلان التأسيسي للحزب في العام 1985، بحيث انتقل الحزب من صفة "حركة جهادية إسلامية" شكلاً ومضموناً، إلى حزب لبناني الشكل، يحاول أن يقلد في المضمون حركة "أمل"، يوم أطلقها الإمام موسى الصدر في السبعينات من القرن الماضي، من جهة التصدي لمشكلات الواقع السياسي اللبناني، وللحالة الشيعية في لبنان داخل النظام السياسي اللبناني. ولكن هذه المحاولة اصطدمت بارتهان "حزب الله" الأصلي لأسباب منطلقاته الأساسية أي "الجهاد" المرتبط عضوياً بالأجندة الإيرانية بداية، وبحسابات الحليف السوري تالياً.

وإذا كانت حركة "أمل" انصرفت عن مهمة "الجهاد" إلى احتكار تمثيل الشيعة داخل النظام السياسي، فإن "حزب الله" يحاول أن يزاوج بين المهمتين، فهو يتطلع إلى الدور الأساسي في تمثيل الشيعة على حساب الحركة بالتأكيد، ممسكاً بسلاحه ذي البعد الإقليمي.

يستطيع المراقبون أن يلاحظوا فرقاً في الشكل بين "حزب الله" العام 1982، يوم كان علمه هو العلم الإيراني نفسه، وبين حزب العام 1985 يوم كان علمه الأصفر يحمل عبارة: "حزب الله" الثورة الإسلامية في لبنان"، وبين "حزب الله" اليوم، الذي يرفع العلم اللبناني في احتفالاته إلى جانب علم أصفر يحمل اسم الحزب وعبارة "المقاومة الإسلامية في لبنان"، مع أجزاء للآية الكريمة (فإن حزب الله هم الغالبون). إلا أن المراقبين لا يمكن الا أن يلاحظوا أن هذا الحزب لم يغير حرفاً من أهدافه الأساسية التي تدرج في تطبيقها بدءاً من إزاحة خصومه الشيعة، مروراً باحتكاره قتال إسرائيل، ومروراً بفرض نفسه القوة السياسية والعسكرية الأولى في البلد.

تقدم الوثيقة في فصلها الأول قراءة خاصة بـ"حزب الله" وبالمحور الإيراني السوري للواقع الدولي، حيث رأت تراجعاً أميركياً وغربياً على الصعيد العالمي نتيجة لفشل "الحروب الاستعمارية الجديدة"، وبفعل الأزمات المالية والاقتصادية الكبيرة، لتخلص إلى حصول تراجع ستراتيجي، أميركي خصوصاً، في القدرة على الفعل.

هذه القراءة المتفائلة تتميز بالعمومية لأنها لا تتناول بموضوعية أسباب الحروب التي شهدتها المنطقة، مثل حرب إسقاط الطاغية صدام حسين، وحرب إنهاء حكم طالبان وبن لادن في أفغانستان. حربان نجحتا في تحقيق الهدفين الايجابيين منهما، على الرغم من استمرار المخاض في هذين البلدين واستمرار معاناة شعبيهما، والذي يعود في كثير من أسبابه إلى التدخلات الإقليمية المجاورة: إيران في حالة أفغانستان، وسورية وإيران في حالة العراق.

وفي كل الأحوال فإن التخبط الأميركي في أفغانستان والعراق لا يعني أن أسباب الحرب فيهما لم تكن مبررة أو مشروعة، أو أن الشعبين العراقي والأفغاني ليسا أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء بلديهما بعد سقوط صدام حسين و"طالبان"، وهذا ما لا يقبله "حزب الله".

ترد الوثيقة أسباب الانقسامات والفتن المذهبية والصراعات الأهلية الداخلية في المنطقة العربية إلى السياسة الأميركية في إطار السعي للسيطرة على مقدرتها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. وتغفل الوثيقة بشكل فظ كل التدخلات الأجنبية الأخرى في الشؤون العربية، وخصوصاً التدخل الإيراني، أو بالأصح التمدد الفارسي نحو المنطقة العربية.

فإذا صح الحديث عن صراع دائر في هذه المنطقة من العالم بين قوى إقليمية ودولية كبيرة، فهل يصح القول ان الولايات المتحدة تقاتل نفسها، أم أنها في صراع فعلي مع التمدد الإيراني نحو الدول العربية وخصوصاً في الخليج العربي؟ وهذه أمثلة اليمن والعراق والبحرين ولبنان، وسورية المتحالف نظامها مع إيران، أدلة على حقيقة المشروع الاستعماري الفارسي.

إن دعم الشيعة في عدد من الدول العربية من قبل إيران وتحويلهم إلى أدوات في المشروع التوسعي هو السبب الأساس في تحريك الفتن المذهبية. ولن يقنع أحداً كلام الوثيقة عن دعم أميركي "لأنظمة الاستبداد" العربية، إذ اكتشف العالم في الأشهر الأخيرة أن النظام الاستبدادي الأول في المنطقة هو نظام ولاية الفقيه الإيراني، ومنه يستمد "حزب الله" حياته.

بالانتقال إلى لبنان يتمحور الحديث في الوثيقة على الثابتة الأساسية للحزب وهي السلاح، وكل ما عدا ذلك تفاصيل. وتسهب الوثيقة في الكلام عن نجاح "المقاومة" في إفشال السياسة الأميركية، لتخلص إلى أن هذه "المقاومة" ضرورة وجودية تعادل وجود لبنان نفسه في المرحلة المقبلة، إذ تعتبر أننا "في مسار تصاعد المقاومة والممانعة".

أما في الموقف اللبناني من هذا السلاح فقد أحال نصر الله القضية مجددا إلى طاولة الحوار الوطني لمناقشة وإقرار الستراتيجية الدفاعية، لكنه استبق ذلك بالتأكيد على استمرار الوضع الراهن، أي تعايش الجيش والمقاومة. وذهب أبعد من ذلك في رده على سؤال صحافي، بالقول ان المطلوب من كل الفرقاء تقديم تصوراتهما عن الستراتيجية الدفاعية على أن تبقى الكلمة الأخيرة لـ"حزب الله" نفسه.

في كل حال ربطت وثيقة "حزب الله" مصير سلاحه بـ"بقاء التهديد الإسرائيلي وأطماع العدو"، وهذه العبارة تحمل الكثير من إمكانات التفسير. علماً أنه في موضوع امتلاك قرار الحرب والسلم جزم نصر الله أنه يجب أن يكون بيد الدولة ولكنه جزم أيضاً أن هذه الدولة غير موجودة، من دون أن يذكر أسباب هذا الغياب، أو دور حزبه في منع قيام هذه الدولة أصلاً. لذا تبقى ثنائية الجيش المقاومة قائمة إلى ما لانهاية.

لعل الإضافة الوحيدة في موضوع السلاح هي الرد بشكل مباشر على مندرجات القرار 1701 إذ أكد نصر الله أن من حق "حزب الله" التزود بالسلاح بشتى أنواعه وبمختلف السبل، حتى لو تعارضت مع سيادة الدولة اللبنانية والتزاماتها الدولية.

بعد منح "حزب الله" نفسه حق الاحتفاظ بالسلاح، تنتقل الوثيقة لتعالج الوضع الداخلي وأسس النظام السياسي، فتتجاهل في تقديمها لتصور الحزب لمشروع بناء الدولة، ذكر اتفاق "الطائف" كوثيقة للوفاق الوطني اللبناني وكدستور للبلاد. ولم يأت نصر الله على ذكر الطائف إلا في معرض كلامه عن إلغاء الطائفية السياسية، كون اللجنة الوطنية الخاصة بها هي أحد بنود الدستور.

إن موقف "حزب الله" من اتفاق "الطائف" لا زال ملتبساً، ويخضع لاستنسابية في التعاطي مع مندرجاته. وهكذا حين وقع الحزب ورقة التفاهم الشهيرة مع العماد ميشال عون تجاهله تماما. واليوم فإن الموقف أكثر التباسا واستنسابية، فالطائف لم يذكر "المقاومة" في مقدمته أو في مضمونه، إنما شدد على حق لبنان بتحرير أرضه (حين كان الاحتلال الإسرائيلي يشمل أراضي لبنانية شاسعة في العام 1989)، ولكنه (الطائف) ذكر بوضوح نزع سلاح جميع الميليشيات المسلحة. لذا يقتبس الحزب من الطائف في مكان، مثل موضوع إلغاء الطائفية السياسية، ويتجاهله في مكان آخر، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالسلاح المطلوب نزعه لضمان تطبيق دستور الطائف بكل مندرجاته ومنها إلغاء الطائفية السياسية.

إن اتهام "حزب الله" بالسعي إلى تكريس "المثالثة" بدلاً من "المناصفة" يبقى قائما ومشروعا طالما أن الحزب لا يعتبر اتفاق الطائف وثيقة وطنية نهائية لتوافق اللبنانيين.

أكثر من ذلك فإن الوثيقة عندما تتناول طبيعة النظام السياسي يتحول الالتباس في تبنيه إلى رفض له من خلال تحريفه وتزويره، من خلال الزعم أنه مع استمرار الطائفية السياسية يجب تكريس ما يسمى "الديمقراطية التوافقية"، أي تكريس بدعة الثلث المعطل داخل الحكومة، كصيغة وحيدة قابلة للحياة.
لقد كتب "حزب الله" في وثيقته ما مارسه خلال السنوات الأخيرة من تناقض في السلوك والموقف. فمن جهة يشارك في الانتخابات النيابية وفقا لدستور الطائف، ومن ثم رفض أن تشكل الحكومات وفقا للدستور نفسه، أي حكم الأكثرية. وقد كانت تجربة تشكيل آخر حكومتين دليل على ذلك، وقبلهما كانت الانتخابات الرئاسية التي عطلها "حزب الله" وحلفاؤه بمنع انعقاد مجلس النواب بأكثرية النصف زائد واحدا.

إن الموقف الأوضح والأصدق في كل ما قاله نصر الله هو كلامه عن ولاية الفقيه، فـ"حزب الله" لا يعتبرها موقفاً سياسياً قابلاً للمراجعة والتعديل بل هي شأن فكري ديني نهائي، هنا تعود الايدولوجيا لتطغى على السياسة، ويعود الحزب رغم كل التعابير "الملبننة" في الوثيقة، إلى الأصل والأساس.

إنه حزب أصولي يشكل انتماؤه إلى ولاية الفقيه القاعدة، وانخراطه في النظام السياسي اللبناني، استثناء، وعندما حاول نصر الله تبرير التزامه بهذه الولاية من دون التناقض أو التعارض مع التزامه اللبناني وقع في الفخ. إذ قدم مثالاً على مشاركة الحزب في المجالس النيابية منذ العام 1992، وفي الحكومات منذ العام 2005. والواقع أن هذه المشاركات، كما بينت التجربة، لم تكن سوى مظهر من مظاهر اختراق النظام السياسي في لبنان، وخصوصا في الحكومات، عندما شكل بوجوده، وبامتلاكه حق النقض، حالة تعطيلية للنظام وليس العكس. وعندما تعذر عليه البقاء داخل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى، وتحقيق أهدافه التعطيلية تحول إلى التفجير من الداخل، عبر الاستقالة ومحاولة إسقاط الحكومة في الشارع. وللأمانة التاريخية يجب القول أنه نجح في ذلك بعد حين، أي بعد انقلاب مايو 2008 المسلح وتسوية الدوحة.

إن ارتباط "حزب الله" العقائدي بولاية الفقيه والتي تملي عليه سلوكه السياسي والعسكري، يعرض وجود الدولة والنظام السياسي برمته إلى خطر الزوال، وقد قدمت حرب 2006 التي شنها بأمر إيراني مباشر، وما تبعها من تداعيات داخلية، بأمر إيراني – سوري مشترك، مثالاً حياً على ذلك.

خلاصة
يرى بعض المراقبين أن "حزب الله" حاول في وثيقته الجديدة إضفاء الصبغة اللبنانية على خطابه السياسي، وقد نجح في تلوين العبارات والجمل بألوان سياسية براغماتية، وتغليب السياسي على الإيديولوجي. ولكن التلوين لم يطل إلا الشكل، أما في المضمون فلعل "حزب الله" ذهب في وثيقته إلى المزيد من التشدد والتطرف، إذ انتقل من هدف "دحر الاحتلال" إلى هدف "إزالة الكيان الصهيوني من الوجود"، ومن "مواجهة المشروع الأميركي" إلى "إسقاطه نهائياً". وعلى المستوى الداخلي تعد الوثيقة بالمزيد من الإصرار على السلاح لهدفين: مواجهة إسرائيل لحسابات إقليمية ودولية، ومواجهة الداخل لإبقاء صيغة الحكم "التوافقي" اللادستورية حية إلى أن تسنح ظروف تغيير النظام برمته.

المصدر:
السياسة الكويتية

خبر عاجل