لأن الأقلية تمتلك قوة السلاح والتعطيل لمواجهة الفراغ
الأكثرية تقدّم تنازلات قسرية خوفاً على لبنان
يتساءل جمهور 14 آذار باستغراب لماذا كانت الاكثرية النيابية التي تنبثق من الانتخابات هي التي تحكم والاقلية تعارض، حتى باتت هذه الاكثرية لا تستطيع اليوم ان تحكم الا مع الاقلية التي تفرض شروطها باسم "الشراكة الوطنية" وهي العبارة المخففة البديلة من "الثلث المعطل". ولم يعد في الامكان تشكيل اي حكومة ما لم تكن "حكومة وحدة وطنية" وذلك بدعوى ان النظام الديموقراطي الذي كان يطبّق في الماضي لم يعد في الامكان تطبيقه اليوم في ظل المذهبية والطائفية، بل بتطبيق بدعة ما يسمى "الديموقراطية التوافقية". وقد طرح الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله معادلة جديدة لمناسبة اعلانه الوثيقة السياسية للحزب: إما إلغاء الطائفية السياسية كي يصير في الامكان العودة الى النظام الديموقراطي، وإما إبقاء الطائفية واعتماد "الديموقراطية التوافقية" التي يفرض تطبيقها تشكيل حكومات وفاقية او ائتلافية، وهي حكومات في رأي الكثيرين معرضة للاستقالة في اي وقت لانها تضم متخاصمين وأضداداً قد لا يجمعهم برنامج عمل واحد، وتلغي هذه الحكومات بالتالي دور مجلس النواب المحاسب والمسائل عندما تصبح الحكومات مجلسا نيابيا مصغرا تنتقل اليه المعارضة عوض ان تقوم بدورها في مجلس النواب وفقا للاصول، وكأن هذه المعادلة رد على ما كان قد اعلنه البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير ان لا ديموقراطية مع السلاح…
إن هذا التساؤل لجمهور 14 آذار جعل عميد حزب الكتلة الوطنية كارلوس اده يسأل بدوره: "لماذا كانت الانتخابات النيابية ولماذا كان كل هذا التجييش لمناصري 14 آذار اذا كنا سنصل، وبفضل تراجع ممثلي 14 آذار في الحكومة عن وعودهم السيادية وقبولهم الدخول في البازار السياسي المعروف". ويضيف: "كان يجب على قياداتها ان تدرك منذ اللحظة الاولى التي شهدت تبدلا في التحالفات السياسية انها لم تعد تملك الاكثرية الفعلية في مجلس النواب وكان الاجدر بها ان تتخلى عن حقها في تشكيل حكومة مفروضة عليها خوفا من تبنيها لطروحات سياسية لطالما واجهتها اثناء "ثورة الارز" وان تفضل العودة الى صفوف المعارضة كأقلية سيادية تحافظ اقله على مبادئ السيادة التي نشأت وناضلت وضحت واستشهدت من اجلها".
يقول قطب في 14 آذار ردا على ذلك ان البلاد تواجه للمرة الاولى وضعا شاذا لم تواجهه من قبل، هو قيام تحالف مذهبي احادي القرار ومسلح يضع الاكثرية والمذاهب الاخرى بين خيارين: اما تعطيل عمل المؤسسات وإحداث فراغ فيها بامتناع هذا التحالف عن المشاركة في الانتخابات وفي تشكيل الحكومات فتصبح عندئذ لا شرعية وغير ميثاقية، وإما ان تسلّم الاكثرية بما تريده الاقلية المسلحة بهذا التحالف، اذا كانت تهمها مصلحة الوطن وحمايته من السقوط في الفوضى وفي المجهول…
لذلك تصرفت الاكثرية كأم "الصبي" مضحية ومتنازلة للاقلية التي ليست اماً له، ولا فرق عندها ماذا يحل به بل تهمها مصالحها اولا ومصالح الآخرين وتحقيق اهدافهم في لبنان والمنطقة.
ولأن الاقلية تدرك نقطة الضعف هذه عند الاكثرية فانها تمادت في مطالبها وشروطها حتى التعجيزية منها، فحالت دون انتخاب رئيس للجمهورية من قوى 14 آذار ودون تشكيل حكومة منها، وفرضت تشكيل حكومات تسمى "وحدة وطنية" كي يكون للاقلية فيها "الثلث المعطل" الذي يحول دون اتخاذ اي قرار غير مقبول منها.
واستطاعت هذه الاقلية باسم "الشراكة الوطنية" والديموقراطية الوفاقية ان تتجاوز احكام الدستور فتسمي هي وزراءها في الحكومة وتختار الحقائب وتفرض ما تريد في البيان الوزاري لانها تملك سلاح التعطيل وإحداث الفراغ وشل عمل الدولة حتى ولو تعرض لبنان الهوية والكيان والسيادة والحرية والاستقلال للخطر، لانها تعلم ان الخطر عندما يصل الى هذا الحد فان الاكثرية سوف تتراجع عن مواقفها وتتنازل… والدليل على ذلك ما حصل منذ عام 2005 الى اليوم.
ورغم ان انتخابات 7 حزيران 2009 كانت استفتاء للناس كي يختاروا بين خطين سياسيين: خط قوى 14 آذار والمتحالفون معها وخط قوى 8 آذار والمتحالفون معها، فانهم اختاروا خط قوى 14 آذار بفوز مرشحيه بأكثرية 72 نائبا. وهذا الخط يدعو الى لبنان السيد الحر المستقل والى الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها، فلا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها، وان يكون لبنان واحة سلام وامان تجذب الاستثمارات، لا ساحة حروب وصراعات يهرب منها رجال المال والاعمال، ولا يبقى فيها حجر ولا بشر.
لكن نتائج هذه الانتخابات لم تغيّر شيئا في وضع لبنان فبقي كما كان قبلها، اي ان الاقلية كونها مسلحة وتضم تحالفا مذهبيا يملك احادية القرار، ظلت تفرض تشكيل حكومة "الوحدة الوطنية" كما تريد وتصر على وضع صيغة للبيان الوزاري كما تريد وكما كانت صيغة بيان الحكومة قبل الانتخابات، ولا سيما ما يتعلق بسلاح المقاومة من اجل شرعنته بموافقة مجلس الوزراء ومن ثم بموافقة مجلس النواب، كما صارت شرعنة السلاح الفلسطيني من قبل بموافقة مجلس الوزراء ومجلس النواب على اتفاق القاهرة، واصبح لـ"الشراكة الوطنية" معنى جديدا هو ان ما للاقلية للاقلية وما للاكثرية لها وللاقلية… فعندما تعترض الاقلية على موضوع ينبغي على الاكثرية ان تسلم باعتراضها، واذا اعترضت الاكثرية، فمن حق الاقلية الا تسلم به، وهو ما حصل في موضوع سلاح المقاومة، ولاحقا في مواضيع اخرى خلافا للقول بان ما يصير اتفاق عليه يصدر قرار به، وما لا يصير اتفاق عليه يبقى معلقا.
لماذا اذاً هذا الوضع الشاذ الذي كان قبل الانتخابات النيابية ويستمر بعدها؟ الجواب هو ان في لبنان خللا في التوازن الداخلي بين أكثرية عزلاء مستعدة للتضحية والتنازل من اجل لبنان، واقلية مسلحة مستعدة لان تضحي بكل شيء من اجل مصالحها ومصالح من يسيّرها.
وهذا الوضع الذي يكون فيه طرف مسلح وآخر غير مسلح جعل زعيما شمالياً يشبهه بالوضع الذي كان سائدا في الماضي عندما كان الزغرتاوي الملقب "الدنكورة" ينزل الى ساحة التل في طرابلس وفي يده مسدس او قنبلة يهدد بهما، اذا لم يغلق اصحاب المتاجر متاجرهم، فكانوا يستجيبون خوفا على مصالحهم وممتلكاتهم وارزاقهم. وعندما اصبح في ساحة "التل"، "دنكورة" طرابلسي انتهت وظيفة "الدنكورة" الزغرتاوي…