#adsense

نظام «حزب الله» الجديد

حجم الخط

نظام «حزب الله» الجديد 

قطع «حزب الله»، بإعلانه وثيقته السياسية، الطريق على ثلاثة مسارات، سياسي ودستوري واقتصادي، تشكل الأسس الحيوية التي كان يأمل اللبنانيون، في غالبيتهم الساحقة الصامتة، بأن تقودهم نحو اعادة بناء دولتهم ونظامهم الذي ارتضوه في اتفاق الطائف (والذي لم تذكره الوثيقة ولو مرة واحدة)، وتخرجهم من دوامة الانقسام والمواجهات الأهلية العلنية والمستترة، وترسم آفاق مستقبل مختلف لأجيالهم القادمة. ذلك ان مضمون الوثيقة عنى بكل بساطة، على رغم بعض الكليشيات الطوباوية التي تقارب صورة «المدينة الفاضلة»، ان الوضع القائم سيستمر الى أمد غير منظور، وأن ما نتج من الصراع غير المتكافىء بين قوة مسلحة ومنظمة وبين جمهور مدني وعفوي، صار أمراً مكرساً لا يمكن الفكاك منه في ظل ميزان القوى القائم.

وفي التفاصيل، فإن الحزب ابلغ اللبنانيين بأن مبدأ الديموقراطية بمعناها المتعارف عليه في العالم كله، ليس وارداً تطبيقه في بلدهم، وأن فكرة الانتخابات نفسها المنصوص عليها في الدستور لم يعد لها اي معنى او أهمية. فهو عندما شدد على ان الديموقراطية التوافقية هي الخيار الوحيد المتاح انما اراد القول انه أياً تكن نتائج أي انتخابات تجرى في المستقبل، فلن يكون تأثيرها أفضل من تأثير انتخابات العام الحالي التي افرزت أكثرية واضحة لكنها لا تستطيع ان تحكم ولا ان تضع برنامجاً تنفذه، بل هي مضطرة الى الانتقاص من صلاحياتها ومشاركة الأقلية الحكم، بل ومنحها من الحقائب الوزارية ما يزيد عن حجمها، والقبول بالبقاء تحت رحمة التهديد بالتعطيل. اي عملياً تغيير النظام الدستوري من دون إعلان واضح بذلك.

اما في السياسة، فإن الوثيقة ألغت ايضاً دور ومفاعيل هيئة الحوار الوطني التي تشكلت لبحث مواضيع الخلاف الرئيسة بين اللبنانيين ولا سيما قضية السلاح، عندما أكدت ان «المقاومة باقية» ما بقيت دولة اسرائيل، وأنها «ستواصل تسلحها وتعززه» وأن «تجربة التعاون بينها وبين الجيش كانت ناجحة وينبغي استمرارها». وهذا يعني انه لم يعد هناك فائدة ترجى من الحوار حول «الاستراتيجية الدفاعية» ما دام موقف الحزب محسوماً من استمراره كياناً عسكرياً منفصلاً عن الدولة، بما يستتبعه ذلك من قرارات استنسابية تتعلق بفهمه الخاص وتقويمه لأي تطور في المنطقة، وما قد يرى فيه «ضرورات» سياسية وأمنية يمكن دوماً ان تتجاوز اطار لبنان الجغرافي.

تحدث الحزب في وثيقته عن «الدولة العادلة المقتدرة» وعدد لها مهمات تنوء تحتها دول عظمى متقدمة اقتصادياً واجتماعياً، في تعجيز مقصود لتبرير رفضه الإقرار بالمفهوم الشائع لبناء الدولة، اي دولة، بمعنى القبول بها كياناً نهائياً قابلاً للتطوير. وأتبع ذلك بتأكيد التزامه ولاية الفقيه التي قال انها مبدأ عقائدي غير قابل للنقاش. لكن ماذا اذا قررت جمهورية ولاية الفقيه الإيرانية التي يؤكد القيمون عليها انها في «مواجهة مصيرية» مع العالم كله تقريباً، ان تستنجد بأتباعها ومريديها وبينهم «حزب الله»؟ ولنا ان نتذكر الأسئلة التي ثارت حول توقيت عملية خطف الجنود الإسرائيليين التي أدت الى حرب صيف 2006، كونها جاءت بعد اسابيع قليلة على تعزيز العقوبات الدولية على ايران.

يعيب «حزب الله» في وثيقته على اللبنانيين «الآخرين» أنهم لم يبنوا الدولة المثالية «التي تقيم العدل بين الناس» ولم يعتمدوا الديموقراطية «الحقيقية» التي تقوم على الغاء الطائفية السياسية، فيما يمنع هو التعددية في صفوف طائفته والمناطق الخاضعة لسيطرته، وينطلق في تأكيد شرعيته من أساس تمثيلي طائفي بحت. وفاقد الشيء لا يعطيه.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل