حان وقت العمل !
انتهى نقاش الصياغات الذي استمر ثلاثة اسابيع تقريباً وأقر الوزراء بيان حكومتهم، وعلم القاصي والداني ان هناك من اعترض وهناك من تحفظ. وكان ان غرقت اوساط سياسية واعلامية ودستورية (من غير شر!) في "مسألة" ترسيم الحدود وتحديد المعاني واظهار المقاصد ليفهم "الشعب العظيم" الفرق بين "الاعتراض" و"التحفظ".
في هذا السياق ايضاً، انصبّ اهتمام الكثيرين على معرفة الفرق بين "الندية" و"الاخوية" في وصف العلاقة مع الشقيقة سوريا. رغم انه من الواضح تماماً ان "الاخوية" يمكن، على قاعدة الخبث، ان تعني وصاية او "مونة" من الاخ الاكبر على الاخ الاصغر، وما ادراك ما الاكبر (!) وان "الندية" التي تعني المساواة على قاعدة "ضيزا" لم تعجب الوزير وليد المعلم في الماضي، وخصوصاً عندما سبق للرئيس فؤاد السنيورة ان شدد عليها في تحديد القواعد التي يفترض ان ترسو عليها العلاقة بين بيروت ودمشق.
أُقرّ البيان، وصار الآن في مصاف الوثائق وسط سلسلة البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية منذ الاستقلال. هذا يعني بعد الآن ان الاعتراض مثل التحفظ، والاخوية مثل الندية، مجرد كلمات سُجّلت في المحاضر وذهبت الى الرفوف لتبدأ عملية ممارسة السلطة، وهذا هو الأهم.
❑ ❑ ❑
وقبل ان تبدأ ممارسة الحكم يتعيّن على رئيس الحكومة سعد الحريري وعلى وزرائه الجلوس لمدة ثلاثة ايام يستمعون الى العروض الكلامية والخطابية يتوالى عليها نواب "يناقشون" البيان الوزاري، في استغلال مفهوم لفرصة متاحة وفّرت لهم الوقوف امام كاميرات التلفزة، وقد لا تتكرر في السنوات الأربع المقبلة!
وهكذا سيستمع اللبنانيون الى طوفان من الكلام الاستعراضي الذي لا يقدم ولا يؤخر، على الاقل لأن منطق "الديموقراطية التوافقية" الهابطة علينا بنعمة الله سبحانه وتعالى، سيهمش دور السلطة التشريعية في المساءلة والمحاسبة. اذاً لنقل انه نقاش على طريقة "شاب واستحلى".
وسعد الحريري الذي يتحمل ستة اشهر من المماحكات والنقاشات والشروط يستطيع ان يتحمل ثلاثة ايام اضافية، قبل ان ينطلق في الطريق التي اختارها بعناية شديدة، وقد ظهرت ملامحها واضحة في البيان الوزاري الذي ركّز في شكل اساسي على هموم الناس وحاجاتهم ومطالبهم في الشؤون الاقتصادية والمعيشية والصحية والتربوية وفي حقل الخدمات، التي تبدأ برغيف الخبز وتنتهي بأقساط الجامعات وبفرص العمل والانتاج مروراً بالكهرباء والماء والدواء وحتى بأزمة السير!!
واذا كانت هذه المسائل الحيوية قد شكّلت اساساً لخطاب الحريري الانتخابي على ما يتذكر الجميع، واحتلت حيزاً في برنامج العمل الحكومي الموعود، فإن الحريري الذي يتوق الى مباشرة العمل بهدي مسالك والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، اي الانصراف الى ورشة اعمار تتركز على مطالب الناس وهمومهم، انما يواجه "وسطاً سياسياً" يحتاج هو ايضاً الى اعمار مثل "الوسط التجاري"، الذي صار رغم كل ما قيل عاصمة عريقة للمستقبل. لقد دأبت المعارضة على انتقاد اهمال الاكثرية للشؤون الحياتية والمعيشية والقضايا التي تعكس مطالب الناس. ومن هذه البوابة تحديداً يبدو ان الحريري يريد ان ينطلق في عمل الحكومة، لهذا دأب على القول "نريد حكومة أفعال لا أقوال" ونطمح الى "حكومة تكون قادرة على العمل".
يوم الخميس من الاسبوع المقبل ينتهي شريط الكلام ويبدأ وقت العمل. والناس يراقبون ويحاسبون.