تفسيرات تتفاوت بين منحى مؤسساتي وتأثيرات سياسية
سليمان شرح تفصيلياً للحكومة زيارتيه لدمشق وواشنطن
كشف رئيس الجمهورية ميشال سليمان في جلسة مجلس الوزراء التي عقدت لإقرار البيان الوزاري تفاصيل زيارته الاخيرة لدمشق، التي حصلت على نحو مفاجئ لا يزال صداها يتردد في بعض الاوساط الديبلوماسية والسياسية غداة الاعلان عن تأليف الحكومة وتوقيتها قبل ساعات قليلة من توجه الرئيس السوري بشار الاسد الى باريس للقاء نظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي. وما سرّب عنها من معطيات في حينه لم يشف غليل المهتمين والسياسيين والمتابعين الديبلوماسيين على نحو خاص، باعتبار ان عناصر الزيارة لم تُفهم كليا لجهة ظروف حصولها ولا في طريقة حصولها على نحو يعتبر كثر انه تم بطريقة شبه سرية لم تعد متوقعة من لبنان بعد انتهاء الوصاية السورية عليه. والمناسبة كانت دخول الرئيس سليمان على خط لفت الوزراء الى ضرورة التنبه الى ان زياراتهم الخاصة للخارج يجب ان يبلغ بها رئيس الوزراء على نحو مسبق نظرا الى الصعوبة التي وجدها المعنيون في استدعاء وزراء كانوا قاموا بزيارات خاصة للخارج، فيما حان اوان دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد من اجل مناقشة مسودة البيان الوزاري واقرارها. ومعلوم ان زياراتهم الرسمية تعرض امام مجلس الوزراء لاخذ العلم والقرار في شأنها. وشرح رئيس الجمهورية في اطار موقعه الموكل اليه في الدستور على صعيد التفاوض في المعاهدات، ما هو متاح له من حيث إطلاع مجلس الوزراء على ما يقوم به في هذا المجال او سواه.
وقال سليمان ان زيارته لدمشق كانت زيارة عمل وانه بحث ونظيره السوري في الوضع العام وآفاق المرحلة المقبلة والسلام في المنطقة والعلاقات الاميركية – السورية والسورية – السعودية اضافة الى دور لبنان في مجلس الامن. كذلك تناول البحث العلاقات الثنائية على صعيد متابعة البيان المشترك للقمة السورية اللبنانية السابقة، وقد عرض ما نفذ منها وما لم ينفذ من امور اقتصادية ووضع المفقودين والحدود.
وكان لافتا للمتابعين السياسيين ان الرئيس سليمان ابلغ مجلس الوزراء عن زيارته المرتقبة لواشنطن في 12 من الجاري بالتزامن مع ابلاغ رئيس الحكومة المجلس عن توجهه الى كوبنهاغن للمشاركة في القمة الدولية حول المناخ في 15 من الجاري. لكن بدا للبعض ان رئيس الجمهورية يسعى الى ان يرسي تقليدا من خلال اعطائه زيارته لواشنطن محتوى وليس فقط الاكتفاء بابلاغ المجلس بحصولها، على غير ما دأب عليه في المرات السابقة حين كان يبلغ مجلس الوزراء بزيارته لهذه الدولة او تلك. فقال انه يتوجه الى العاصمة الاميركية من اجل السعي الى استكشاف آفاق عملية السلام في المنطقة وموقف الولايات المتحدة من فلسطين، على قاعدة ان هذا هو الموضوع الرئيسي، اي انه عرض في شكل من الاشكال جدول الاعمال السياسي للقائه المرتقب مع الرئيس الاميركي باراك اوباما، علما ان نائب رئيس مجلس الوزراء الياس المر سيكون في عداد الوفد الذي سيرافق الرئيس سليمان، مما يعني انه سيتم البحث في موضوع الجيش وتسليحه ايضا نظرا الى مدى المساهمة الاميركية في دعم الجيش في الفترة السابقة.
هذه المعطيات ادت الى تساؤلات تصب في خانة ما اذا كان مجلس الوزراء سيشكل الاطار الضروري لاي تحرك خارجي بما في ذلك الزيارات لدمشق مثلا، فيبلغ رئيس الحكومة مسبقا المجلس بزيارته المرتقبة لدمشق وجدول اعمالها، ويؤلف الوفد الذي يرافقه من موقعه رئيسا للحكومة يزور دولة جارة باتت تربط بينهما علاقات ديبلوماسية "من شأنها ان تؤسس لمعالجة القضايا المشتركة " وفق ما جاء في البيان الوزاري، وهو امر مبدئي اذا التزمه الجميع ولم يتجازوه في معرض العمل المؤسساتي وعدم العودة بالوضع الى الوراء. ويدخل الامر في اطار ارساء مبدأ شفاف بحيث يطمئن من يعنيه الامر الى ان لا شيء مخفيا يستدعي القلق، وهو امر قد ينسحب خصوصا على زيارة الرئيس سليمان المرتقبة لواشنطن فقط اكثر من ارتباطها بأي أمر آخر، خصوصا في ظل اعلان موقف عداء واضح من جانب البعض كان آخره ما اعلنه الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله حول المشروع الاميركي في المنطقة ومناهضته، علما انه سبق لرئيس الجمهورية ان واجه موقفا صعبا خلال مشاركته في قمة عربية لم يرض البعض عن مشاركته فيها، ووجهت انتقادات قاسية اليه ابان تظاهرة نظمت لهذه الغاية.
وهناك ما يرجح الانطباع الاخير بالنسبة الى البعض مع تزامن ذلك ومراعاة الحساسية السورية من حيث ابدال كلمة "الندية" في العلاقات الثنائية بين البلدين التي وردت في البيان الوزاري بكلمة "المساواة"، اذ ان دمشق لم تخف استياءها من الكلمة منذ قالها الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة، بما ضمن له العداء السوري طيلة مدة رئاسته. ومع ان هذه الكلمة لا تضعف نص البيان الوزاري كثيرا من حيث مضمونه نظرا الى ان الفقرة المتعلقة بالعلاقات الثنائية تتحدث بوضوح عن طبيعة هذه العلاقات و"ضرورة الارتقاء بها (من خلال الاعتراف بوجود خلل فيها راهنا) الى المستوى الذي تفرضه الروابط التاريخية والمصالح المشتركة وقواعد الثقة والمساواة واحترام سيادة الدولتين واستقلالهما، حسب ما سبق ان كرسه اتفاق الطائف (وليس بموجب اتفاق الطائف، اي العلاقات المميزة ضمنا)، فان المغزى يبقى في رمزية هذه الكلمة وابدالها. وفي هذا الامر الكثير مما قد يتوقف عنده اللبنانيون والخارج على حد سواء بما يعنيه ذلك من احتمال تعرض لبنان او مسؤوليه لضغوط غير منظورة مجددا، نظرا الى المخاض العسير الذي واجهه لبنان في الاعوام الاخيرة في السعي الى اثبات استقلاليته.