البيان الوزاري تبنّى مطالب الاستقلاليين
دراسة أوروبية: الحكومة أسقطت أولوية المقاومة
"أسقط البيان الوزاري اي دور مهيمن للمقاومة المسلحة على الحياة العامة في لبنان، ذلك انه أعطى الدولة وحدها صلاحية وحق اتخاذ القرارات المتعلقة بادارة شؤون البلد وبمصيره، وهو ما يشمل ضمناً قرار الحرب والسلم في التعامل مع اسرائيل، كما شدّد على أن اولويات حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري هي تأكيد هيبة الدولة والقانون والاهتمام بمعالجة مشاكل الناس وقضاياهم الحياتية والمعيشية مما يعني ضمناً رفض تحويل هذا البلد مجتمعاً مقاوماً كما يريد بعض حلفاء المحور السوري – الايراني".
هذا ما اكدته دراسة تحليلية للبيان الوزاري أعدها مركز ديبلوماسي رسمي تابع لدولة اوروبية بارزة معنية بمصير لبنان. وأوضحت ان الصيغة الجديدة للمشاركة في الحكم بين الغالبية والاقلية كما حددها البيان الوزاري تتبنى بوضوح مطالب الاستقلاليين ومواقفهم في ما يتعلق بالقضايا الجوهرية والاساسية، وهو ما يعكس تطلعات الغالبية الواسعة من اللبنانيين وآمالهم. وقالت إن هذا التطور السياسي الداخلي المهم ناتج من انتصار الاستقلاليين الذين يمثلهم فريق 14 آذار وحلفاؤه في الانتخابات النيابية الأخيرة ويعني ان هؤلاء الاستقلاليين سيشكلون مع الرئيس ميشال سليمان ووزرائه القوة الدافعة والمحركة لعمل حكومة سعد الحريري، وهو ما يطمئن الدول العربية والاجنبية الداعمة للبنان المستقل السيد وما يدفعها الى زيادة مساندتها لهذا البلد.
وركزت الدراسة الاوروبية على الأمور الاساسية الآتية الواردة في البيان الوزاري والتي تتبنى او تعكس مواقف الاستقلاليين وتوجهاتهم:
أولاً: أكد البيان في فقرته الثانية أي منذ البداية ان "الدولة هي المرجعية الحصرية في كل القضايا المتصلة بالسياسة العامة للبلاد"، وان هذا المبدأ هو الذي ينظم "توجهاتها وقراراتها والتزاماتها". وهذا مطلب أساسي للاستقلاليين لم يتمكنوا من ادراجه في البيان الوزاري للحكومة المنبثقة من اتفاق الدوحة، وهو يعني ضمناً ان قرار الحرب والسلم في التعامل مع اسرائيل يعود الى الدولة وحدها وليس الى "حزب الله" أو الى أي تنظيم آخر.
ثانياً – رفض البيان الوزاري ضمناً استخدام السلاح والعنف في الصراع السياسي الداخلي، اذ أكد تصميم الحكومة على "منع كل اشكال العبث بالسلم الاهلي والامن من دون مساومة"، وشدد على "حصر السلطة الامنية والعسكرية بيد الدولة". وهذا مطلب اساسي للاستقلاليين.
ثالثاً – أكد البيان احترام الحكومة القرارات الدولية وتحديداً التزام "قرار مجلس الامن رقم 1701 بمندرجاته كلها". وهذا مطلب اساسي للاستقلاليين هدفه تأمين حماية دولية وعربية واسعة للبنان المستقل من أي محاولات للهيمنة عليه مجدداً، اضافة الى ان القرار 1701 يستعيد في نصه كل قرارات مجلس الأمن السابقة الداعمة لبنان ومنها القرار 1559 ويدعو الى وقف دائم لاطلاق النار بين لبنان واسرائيل وتطبيق اتفاق الهدنة مما يعني حينذاك انهاء دور لبنان ساحة مواجهة مفتوحة وفقاً لمخططات المحور السوري – الايراني واهدافه.
رابعاً – شدد البيان، بكلمات دقيقة ومحددة، على "حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته" في "تحرير" اراضيه المحتلة، و"استرجاعها" والدفاع عن لبنان في مواجهة أي اعتداء، وذلك بكل الوسائل المشروعة والمتاحة". وهذا النص يعني ضرورة اخضاع اي قرار يتعلق بالمواجهة مع اسرائيل للنقاش داخل الحكومة لأنها وحدها التي تجعل مثل هذا القرار "مشروعاً" خصوصاً ان البيان ينص على حصر القرارات المتعلقة بمصير البلد في يد الدولة وحدها. كما ان هذا النص يترك الباب مفتوحاً لاسترجاع الاراضي المحتلة أي لاستخدام الوسائل الديبلوماسية لتحقيق ذلك كما تفعل سوريا، ويرفض الاكتفاء بالخيار العسكري "لتحرير" هذه الاراضي. وهذا النص يتلاءم كلياً مع مطالب الاستقلاليين ويشكل رفضاً واضحاً لأي قرار بالحرب مع اسرائيل يتخذه تنظيم مسلح مثل "حزب الله" بمعزل عن السلطة الشرعية كما حصل خلال حرب صيف 2006.
خامساً – اكد البيان الوزاري ضرورة "العمل لتوحيد موقف اللبنانيين من خلال الاتفاق على استراتيجية وطنية شاملة لحماية لبنان والدفاع عنه تقر في الحوار الوطني". وهذا النص يتضمن اعترافاً بوجود انقسام بين اللبنانيين حول دور المقاومة واستخدام السلاح وطريقة التعامل مع اسرائيل ويشدد على ضرورة توحيد الموقف اللبناني ازاء هذه القضايا من خلال تبني استراتيجية وطنية جديدة للدفاع عن لبنان وحمايته، وهذا يعني، ضمناً، رفض محاولات فريق من اللبنانيين فرض استراتيجية عسكرية محددة متفق عليها مع دمشق وطهران للتعامل مع اسرائيل، وضرورة احترام موقف الغالبية الواسعة من اللبنانيين، وهي غالبية تريد الاعتماد على الوسائل الديبلوماسية بشكل خاص لاستعادة الارض المحتلة وحماية لبنان، بدلاً من اللجوء الى حروب غير متكافئة ومدمرة خدمة لمصالح جهات اقليمية. وهذا مطلب اساسي للاستقلاليين.
أولويات اللبنانيين
سادساً – تبنى البيان الوزاري بوضوح موقف القوى الاستقلالية الداعي الى تعزيز علاقات لبنان مع المجتمع الدولي والمجموعة العربية "بعيداً من سياسة المحاور"، مما يشكل رفضاً ضمنياً لارتباط هذا البلد بالمحور السوري – الايراني كما يرغب بعض حلفاء هذا المحور.
سابعاً – تبنى البيان موقف الاستقلاليين في شأن العلاقات مع سوريا الرافض لمنطق التبعية والهيمنة، حين دعا الى "الارتقاء بالعلاقات اللبنانية – السورية الى المستوى الذي تفترضه الروابط التاريخية والمصالح المشتركة بين الشعبين والدولتين وقواعد الثقة والمساواة واحترام سيادة البلدين واستقلالهما"، وحين دعا أيضاً الى "معالجة كل القضايا المشتركة، ومنها ضبط الحدود وحديدها وترسيمها وقضية المفقودين، بروح التعاون والانفتاح والحرص على مصلحة البلدين ومواطنيهما". وخصص البيان فقرة مستقلة لتأكيد اهتمام الحكومة الجدي "بمتابعة قضية المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في سوريا للكشف عن مصيرهم والعمل على الافراج عن المعتقلين منهم". وهذا النص يعكس تصميم حكومة الحريري، بتوجيه من الاستقلاليين وباصرار منهم، على دفع النظام السوري الى تقبل لبنان المستقل والتعامل معه على أساس انه دولة مستقلة ذات سيادة وليس على اساس انه امتداد جغرافي وبشري وامني واستراتيجي لسوريا، وهو ما يتطلب مناقشة ومعالجة لكل القضايا العالقة بما فيها القضايا الدقيقة والحساسة، من أجل تأمين المصالح المشروعة للبلدين وللشعبين، خلافاً لما كان عليه الحال خلال سنوات الهيمنة.
ثامناً – تبنى البيان الوزاري موقف الاستقلاليين من المحكمة الخاصة بلبنان، ذلك انه اكد "التزام الحكومة التعاون مع المحكمة الخاصة للبنان" من اجل "تبيان الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وغيرها من جرائم الاغتيال واحقاق العدالة وردع المجرمين". وهذا النص يشكل رفضاً واضحاً لموقف حلفاء دمشق المشككين في المحكمة الدولية، ويعني بوضوح التزام الحكومة مساعدة المحكمة في اجراءاتها وخطواتها المختلفة والاستجابة لمطالبها المالية والقانونية وغيرها وتنفيذ قراراتها.
تاسعاً – ركز البيان الوزاري، في خطوة غير مسبوقة تمت بمبادرة من سعد الحريري، على حصر الحكومة على الاهتمام بـ"أولويات المواطنين" وعلى معالجتها، وهي أولويات تشمل كبند أول "تأكيد هيبة الدولة واحترام القانون"، كما تشمل تحديث الادارة ومكافحة الفساد ومجموعة قضايا أخرى حيوية ومعيشية تهم اللبنانيين. وما يسترعي الانتباه ان البيان الوزاري لم يضع المقاومة ضمن اولويات اللبنانيين مما يتفق وموقف الاستقلاليين المتمسكين بدور الدولة ومؤسساتها الشرعية وبرفض الخضوع لسلطة الأمر الواقع ولحاملي السلاح.
وأوضحت الدراسة الاوروبية ان مضمون البيان الوزاري "مهم وأساسي وجديد في جوانب عدة"، وان "أي انهاك له في ما يتعلق بالقضايا الجوهرية المرتبطة بمصير البلد، وأي محاولة يقوم بها فريق معين لفرض أمر واقع جديد بقوة السلاح على الغالبية النيابية والشعبية يتناقض ونتائج الانتخابات الأخيرة، سيصطدمان بمعارضة داخلية وخارجية واسعة، لأن ذلك سيشكل خروجاً عن صيغة حكم متوافق عليها، وخرقاً لمفهوم الشركة الوطنية في السلطة، وتحدياً لارادة الشعب، وتهديداً للسلم الأهلي ولصيغة العيش المشترك. فالوضع في لبنان اليوم، ولأسباب داخلية واقليمية ودولية، مختلف الى حدّ كبير عما كان بعد احداث 7 أيار 2008 او في مرحلة ما قبل انتخابات السابع من حزيران الماضي. والبيان الوزاري يعكس هذا الواقع الجديد ونتائج الانتخابات بتبنيه مواقف الاستقلاليين وتوجهاتهم في ما يتعلق بالقضايا الجوهرية والاساسية".
لا علاقات "مميزة" مع سوريا
ورأى ديبلوماسي غربي مسؤول عن ملف لبنان "ان البيان الوزاري يشكل، في الدرجة الاولى، انتصاراً لمبادئ الاستقلاليين واقتناعاتهم الاساسية، ويعكس في الوقت عينه استعداد الاقلية للتكيف والانسجام مع نتائج الانتخابات الأخيرة. وقد اخذ فريق 8 آذار في هذا البيان كلمة "المقاومة" بينما نجحت الغالبية في تحقيق مكاسب سياسية مهمة من خلال تبني البيان مواقفها وتوجهاتها في ما يتعلق بالقضايا الجوهرية والمصيرية".
ولاحظ ان البيان الوزاري كرس ثلاث حقائق اساسية هي الآتية:
أولاً – إن لبنان، وطناً ودولة وشعباً، ليس في خدمة المقاومة المسلحة وليس خاضعاً لها بحيث تكون هذه المقاومة هي محور الحياة السياسية والعامة فيه وبحيث يتم اقناع اللبنانيين بضرورة اعطاء المقاومة الاولوية ولو كان ذلك على حساب اهتماماتهم ومشاغلهم ومصالحهم الحقيقية والحيوية. بل ان الحكومة مصممة على تبني مسار آخر تكون فيه المقاومة خاضعة لقرارات الدولة "التي هي المرجعية الحصرية في كل القضايا المتصلة بالسياسة العامة للبلاد" وفقاً لنص البيان الوزاري، وتعطى فيه الاولوية لتأمين مطالب اللبنانيين المعيشية والاجتماعية والاقتصادية والامنية وغيرها من أجل ضمان ظروف حياتية أفضل لهم بدل جرهم من نزاع الى آخر ومن حرب الى أخرى.
ثانياً – إن العلاقات بين لبنان وسوريا تجاوزت فعلاً مرحلة الهيمنة والتبعية والاملاءات وذلك بفضل جهود الاستقلاليين والتفاف الغالبية الواسعة من اللبنانيين حولهم والدعم الدولي والعربي لهم. والمهمة الاساسية للحكم اللبناني في تعامله مع نظام الرئيس بشار الاسد ستكون العمل على تكريس الواقع الاستقلالي اللبناني عبر خطوات واجراءات محددة، وطرح كل المشاكل العالقة بين البلدين للنقاش والمعالجة والتسوية، والتمسك بتحقيق المطالب اللبنانية المشروعة عبر الحوار والمصارحة ومن منطلق وجود تفويض شرعي من الشعب اللبناني لاقامة علاقات جيدة ومتينة مع سوريا على اساس المساواة والشفافية والاحترام المتبادل وتأمين المصالح المشروعة للشعبين وللبلدين. واللافت ان البيان الوزاري لم يتحدث عن اقامة علاقات "مميزة" بين لبنان وسوريا، كما تطالب دمشق باستمرار، بل تحدث عن اقامة علاقات بينهما "على قواعد الثقة والمساواة واحترام سيادة البلدين واستقلالهما".
ثالثاً – إن الدولة في ظل حكومة الوحدة الوطنية تنوي، وفقاً لنص البيان الوزاري وروحه، ان تمارس حقها المشروع في ان تكون أقوى من أي سلطة أمر واقع، مما يتطلب منها ان تعمل على ضبط واحتواء اي "كيان مسلح" متمرد على الشرعية والقانون من أجل تثبيت هيبة الدولة وطمأنة اللبنانيين الى مصيرهم وضمان السلم الأهلي.
وذكر هذا الديبلوماسي الغربي "ان تبني البيان الوزاري مواقف الاستقلاليين واقتناعاتهم الاساسية يعزز ثقة الغالبية الكبرى من اللبنانيين بهم ويوسع نطاق الالتفاف الشعبي حولهم ويدعم المسيرة الاستقلالية للبنان. وفي النهاية فقد نجحت الغالبية في ان تجذب الاقلية اليها ورفضت ان ترضخ لحكم السلاح ولمنطق القوة".