#adsense

الحركة الاستقلالية لم تنتج بعد “معرفة علمية” بالمعادلة بين 7 أيار و7 حزيران

حجم الخط

الحركة الاستقلالية لم تنتج بعد "معرفة علمية" بالمعادلة بين 7 أيار و7 حزيران
الظرف "الانتقالي" يفسح المجال لمراجعة نقدية ـ حوارية

ما حقّقته الإنتخابات النيابيّة وما لم يتحقّق ـ ما انتزع بفضل نتائجها وما انتزع من نتائجها ـ سؤال يفرض نفسه على الحركة الإستقلاليّة ككل، وتحديداً في لحظة بدء الحكومة اللبنانية التي يرأسها زعيم الأكثرية النيابية الرئيس سعد الحريري أعمالها، نتيجة لإستحقاق ديموقراطي كان له الإسهام الأوضح في تأمين شروط الظفر به، وفي تكريسه استحقاقاً ميثاقياً يوم قرن الرؤية البرنامجية في الموضوع الإقتصادي الإجتماعي لـ"تيار المستقبل" بالتشخيص المركزي لـ"مصلحة الكيان اللبناني" من خلال التأكيد على ديمومة "المناصفة" الإسلامية ـ المسيحية، تلك المناصفة التي إن رفعت ونحيت جانباً لتضاربت مواد الدستور اللبناني بعضها ببعض، وصارت البنود الإصلاحية في إتفاق الطائف حججاً يتمسك الواحد منا بواحدة منها لتعطيل الأخرى، أما لو أرسيت قاعدة ميثاقية أساسية يقرأ على أساسها الدستور والطائف لأعيدت صياغة النظام السياسي اللبناني بالشكل العادل والمتوازن بين الجميع، وبالشكل المسيّر والميسّر لقيام المؤسسات الدستورية وتجديد الروح فيها على قاعدة الإحتكام لصناديق الإقتراع.

لقد حققت الحركة الإستقلالية إذاً جزءاً أساسياً من نتائج الإنتخابات النيابية: ذلك بوصول زعيم أكثريتها النيابية إلى رئاسة الحكومة، وهذا حدث لا يجوز عدم التوقف عنده مطوّلاَ، لأنّه بحدّ ذاته يمكنه أن يشكّل أكبر ردّ، بعد "عامية 14 آذار" وبعد إستحقاق 7 حزيران، على العقلية الموصية أو المرتكبة لجريمة العصر في 14 شباط 2005، بحق الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.

كما حققت الحركة الإستقلالية جزءاً أساسياً من نتائج الإنتخابات النيابية: ليس فقط بإظهار أن الإستقطاب حاصل في لبنان منذ إنتخابات 2005 بين أكثرية وأقلية، وليس فقط بإظهار أن الأكثرية الإستقلالية لم تكن يوماً منذ 2005 وإلى اليوم وهمية أو عابرة، وإنما بإظهار أنّ هناك فرقاً "نوعياً" و"بنيوياً" بين الأكثرية والأقلية، فالأكثرية تقدمت إلى صناديق الإقتراع ببرنامج إنتخابي مركز، ويمكن القول إن البرنامج الإنتخابي لـ"تيار المستقبل" طوّر البرنامج الإنتخابي للأكثرية وفصله. أما الأقلية فلم تتقدم ببرنامج إنتخابي موحد، وبقيت البرامج الإنتخابيّة لـ"فروعها" بمثابة "تعقيبات" على البرنامج الإنتخابي الإستقلالي، تعقيبات منها "المناكف" ومنها "المحاكي" ومنها المشغول بهموم "فئوية" أو محلية. بالتالي يصح الإستنتاج بأن حكومة الوحدة الوطنية إن كان لها من رؤية برنامجية تستند إليها فهي حتماً الرؤية البرنامجية التي طرحتها الحركة الإستقلالية عموماً، و"تيار المستقبل" بشكل أساسي. وليس معنى ذلك القول إنّ هذه الرؤية البرنامجية تكرست كلّها في البيان الوزاريّ، أو يمكن أن تتكرّس عمليّاً في النشاط الحكوميّ من تلقاء نفسها. بل ما يراد قوله هنا هو إنّ البيان الوزاريّ للحكومة الحاليّة مطعّم ببعض من عناصر "الرؤية البرنامجية" كما نسميها، تقابلها عناصر "تعقيبية" على هذه الرؤية، والتعقيب قد يعيد تقويم هذه الرؤية أو يعرقل شيئاً منها، لكنه لا يرقى بأية حال إلى رؤية برنامجية مضادة.

هناك في لبنان أكثرية وأقلية، لكن ليس هناك برنامج للأقلية في مقابل برنامج للاكثرية، والأقلية لا تنتزع ما لها من حجم في التركيبة الوزارية لا من نتائج الإنتخابات، ولا من البرنامج الذي على أساسه خاضت الإنتخابات، إنما تنتزعه من مصدرين آخرين: التركيبة الطوائفية اللبنانية وما تفرضه من جهة، والتفوق الأمني لـ"حزب الله" بصرف النظر عن الموقف منه من جهة ثانية.

ونتائج الإنتخابات النيابية لم يكن يمكنها بحدّ ذاتها لا أن تفرض مقاربة أخرى للتركيبة الطوائفية اللبنانية وتأثيرها على المشهد الحكومي، ولا أن تفرض إعادة نظر في التفوق الأمني لـ"حزب الله" على الدولة والمجتمع اللبنانيين. زد على ذلك أنّ هذا التفوق الأمني يتحصن بهذه التركيبة الطوائفية اللبنانية، ويتأول "الديموقراطية التوافقية" بالشكل الذي يجد فيه منفعة له وتسويغاً.

ما أمكن للإنتخابات النيابية أن تفعله في هذا السياق هو أنها مهدت للفصل بين المشكلتين. مشكلة التركيبة الطوائفية اللبنانية وما يمكن أن تمتصه عملياً من النتائج السياسية لأي استحقاق ديموقراطي إنتخابي. ومشكلة التفوق الأمني لـ"حزب الله" وما يمكن أن تفرضه من إلتفاف على هذه النتائج. فالنتيجة الأولى للإنتخابات كانت وقف "المشروع الهيمني المذهبي الأخير" الذي طرح نفسه في البلد، منذ نهايات الحرب الأهلية اللبنانية بل منذ 6 شباط 1984، ثم على إمتداد فترة الوصاية السورية، ثم بشكل أكثر منهجيّة بعد انقضاء هذه الوصاية، ثم بشكل أكثر استراتيجية مع توقيع "تفاهم مار مخايل" في 6 شباط 2006، ثم بشكل أكثر ملحمية إبان حرب تموز 2006 وفي أعقابها، ثم بشكل إعتصامي فهجومي بالضد من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى، وصولاً إلى يوم 7 آيار الذي ينبغي الإعتراف بأنّ المجتمع اللبناني عموماً، والمثقفين اللبنانيين تحديداً، لم يناقشوه بعد بالشكل الذي يستحق، مع أنه حدث يستأهل المزيد من التحري الأنثربولوجي والسوسيولوجي والسيكولوجي، وهذه لفتة موجهة بالتحديد إلى المثقفين اللبنانيين الذين يصنفون أنفسهم في الخط الإستقلالي: آن الأوان لإنتاج "معرفة علمية" متأنية، منهجية، غير خطابية، غير شعاراتية، بهذا الحدث الذي واجهناه جميعاً، أو عجزنا عن مواجهته، والذي ما زال يحكم سلوكنا وتعاملنا مع الواقع والمستقبل، حدث 7 أيار 2008. إلى الآن ما زالت جميع المقاربات لهذا الحدث قاصرة، مستنسخة من أحداث مرت قبله، أو من أحكام معيارية عامة. وما لم تنتج "معرفة علمية" حقيقيّة بهذا الحدث، ستبقى هناك مشكلة في أساس العدّة النظريّة للحراك الإستقلالي، وتحديداً في مرحلة ما بعد الإنتخابات، وتحديداً أكثر في مرحلة حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى.

فنحن بحاجة قبل كل شيء للتعبير عن أسئلة قد لا نجاهر بها بسهولة كل يوم: ما هو أثر هذا الحدث على لحمة الحركة الإستقلالية وعلى تصورات مجموعها للمستقبل والمصير اللبناني؟ ما هو أثر هذا الحدث على المعادلات التي تربط توليفة الأقلية وما هو أثره على بنية "حزب الله" الداخلية نفسه؟ هل أنّ هناك ميلاً لتضاؤل أهمية هذا الحدث بمرور الوقت أم أنّ الوقت الذي مرّ لم يكفل إلا تكريسه؟ هل نحن محكومون فعلاً بالتعايش بين منطق 7 أيار ومنطق 7 حزيران أم محكومون بما هو أكثر مدعاة للتفاؤل من ذلك؟ هل 7 أيّار قابل للتكرار وهل 7 حزيران قابل لتوسيع حجم ترجمته على أرض الواقع؟

لقد آن الأوان لمراجعة تتيح طرح هذه الأسئلة والسعي للإجابة عنها بروح نقدية، وبمنهجية حوارية، داخل الحركة الإستقلالية وبينها وبين الشركاء الآخرين في الوطن. وهو أمر نخاله متاحاً في الظروف "الإنتقالية" الحالية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل