زيارة الابن الضّال
لأن زيارة النائب ميشال عون الى بكركي، ولقاءه البطريرك الماروني الكاردينال نصرالله صفير والسادة المطارنة، تحمل بعدين اساسيين رئيسيين، الاول ديني ويتعلّق بعلاقة الكنيسة بأبنائها، والثاني سياسي، ويتعلق بسلوك ابناء الكنيسة بعضهم مع بعض، ومع الآخرين من طوائف ومذاهب متعددة، كان لا بد، بعد اللغط والتفسيرات وجنوح البعض نحو استثمار هذه الزيارة بتحويل قناتها لتصبّ في طاحونتهم الحزبية او السياسية او التحالفية، من العودة الى كلام السيد المسيح الذي اوردته الاناجيل المقدسة عند ذكر الامثال التي كان يسوع يستخدمها كثيراً في كرازته للحشود التي كانت تتبعه من مكان الى مكان، وقد اخترت من الامثلة العديدة ذات المغازي الالهية، مثلين ينطبقان كثيرا على علاقة عون بالكنيسة، وعلاقة المسيحيين بعضهم مع بعض، وعلاقة مسيحيي 14 اذار بالكرسي البطريركي.
المثل الاول ورد في انجيل لوقا وهو باختصار عن الابن الضالّ الذي ترك ابيه وبيته، وعندما عاد الى نفسه، ندم ومضى الى ابيه مستغفراً، فاحتضنه والده وألبسه الذهب وذبح له العجل المسمّن «لأن ابني كان ميتا فعاش وضالاً فوُجد».
هذا المثل من حيث البعد الديني ينطبق كثيراً على العماد عون الذي يمكن القول انه قاتل بشراسة البطريرك صفير، و«اخطأ الى السماء والى ابيه»، ومع ذلك وعندما أطلّ على بكركي سارع اليه البطريرك صفير، واجلسه عن يمينه، وذبح له العجل المسمّن على مائدة بكركي.
واذا كان مسيحيو 14 آذار قد غضبوا من هذا اللقاء، – كما يشيّع المقربون من عون – بمثل غضب الابن الاكبر فان البطريرك سيقول لهم بالتأكيد: «انتم ابنائي، ومعي ابداً وفي كل حين، اما أخوكم فينبغي ان نفرح به لانه كان ميتاً فعاش وضالا فوجد».
هذا في الدين، اما في السياسة، فلا يعلم بعد اذا كان العماد عون قد اعترف بأخطائه، كما اعتراف الابن الضالّ، او حاول ان يبرر او يشرح مواقفه السياسية التي اعتبرتها بكركي خاطئة، وفي غير مصلحة اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصا، او اذا كان اعترف للبطريرك صفير بأنه أساء اليه بالقول والفعل والفكر، فهذه امور، قد تكشفها الايام المقبلة، إن بمواقف عون او بعظات سيد بكركي، او ان بعضها قد يبقى أسير الصدور ولا يباح به، وكأنه سر من اسرار الاعتراف، ولكن موقف صفير تجاه عون، لن يتغيّر لأن صفير، وهو سيد من اسياد الكنيسة، يؤمن بما قاله انجيل متى عن السيد المسيح: «إن كان لانسان مئة نعجة، وضلّت احداها وصدف ووجدها، فالحق اقول لكم ان فرحه بها يفوق فرحه بالتسع والتسعين التي لم تضلّ».
الموضوع الثاني الذي علّمه السيد المسيح لتلاميذه وللناس الذين تبعوه، وقد ورد في انجيل متى حيث يقول: «اذا اتفق اثنان منكم في الارض، على اي سؤال يسألان، استجاب لهما ابي الذي في السماوات، فما اجتمع اثنان او ثلاثة باسمي الا وكنت هنالك بينهم».
بعد هذا القول الصريح الواضح الملزم دينياً، هل يحق لاي مسيحي يؤكد انه ممارس ومؤمن، رفض او تأجيل، او المماطلة في تلبية الدعوات التي تصدر عن مقامات رسمية ودينية وسياسية، وعن الاكثرية الساحقة من المسيحيين، ليس بهدف الغاء التنوّع والاختلاف في الوسط المسيحي، كما هو الحال في الطوائف الاسلامية الثلاث، الشريكة في الوطن، بل لاعطاء المصالحة او اللقاء، قوة دفع وحماية الهية يفيدان عند تقرير مصير الشعوب والاوطان، لان المسيح يكون حاضراً في لقاءات المصارحة والمصالحة اذا كانت باسمه.
من هذا المنطلق فان الغنج والدلع والتردد والرفض التي يبديها العماد عون او النائب سليمان فرنجيه عند اي سؤال او كلام عن مصالحة او لقاء مع قيادات مسيحية اخرى، تسقط في ميزان التصرّف المسيحي السليم، وتدلّ على نزعة لا علاقة لها البتة لا بالتعليم المسيحي ولا بالشعور الوطني، بل هي حالة عدائية قبلية، واذا ظن عون وفرنجيه، انهما قادران على بت مصير المسيحيين في لبنان بمعزل عن الكنيسة، وعن القيادات المسيحية الاخرى فهما من دون شك على خطأ كبير، والمسيحيون قد شبعوا من الاخطاء العديدة الكبيرة التي ارتكبتها قياداتهم منذ الاستقلال حتى اليوم، لانهم احلّوا التفرّد والانانية محل المشاركة ونكران الذات، والمصالح الشخصية محل المصلحة الوطنية، ولأنهم ابتعدوا احياناً كثيرة عن الكنيسة.
زيارة عون الى بكركي، قد تكون محطة فاصلة ايجابية في تاريخ المسيحيين اللبنانيين، ان هي اكتملت بما يرضي الكنيسة، او ان الزمن القريب يمحو آثارها لأنها تكون عندها غير مبنية على صخر.