#adsense

تحليل لعورة بند المقاومة في البيان الوزاري

حجم الخط

تحليل لعورة بند المقاومة في البيان الوزاري
المحامي جورج ابو صعب

بعد الاطلاع على مسودة البيان الوزاري وما تمخضت عنه المعركة السياسية التي خاضها ممثلا مسيحيي 14 اذار الوزيران حرب والصايغ، واذ نثمن الجهود الحثيثة والقتال الشرس الذين خاضاه في وجه الاصرار على الشواذ والخروج عن المنطق والدستور، يهمنا ان نسجل كقانونيين ودستوريين ملاحظات اساسية حول بند المقاومة الوارد في مسودة البيان وفق الاتي:

اولا: اذا كان البيان بصيغته الحالية افضل الممكن فلا شيء يمنع ان يكون هذا الممكن اسوأ الافضل – اي اسوأ من الافضل – او ببساطة سيئا في بعض بنوده ولا سيما البند الذي اذا لم نعالجه كما يجب سينتهي بنا الى اقرار المقاومة كمؤسسة دستورية من صلب الحياة السياسية اللبنانية الى ما شاء الله.

فمع تفهمنا لصعوبة الحصول على صيغ افضل وشدة المفاوضات وصعوباتها داخل وخارج لجنة الصياغة، الا اننا لا نستطيع تحت اي ظرف واي سبب التسليم بما ورد في البند رقم (6) من المسودة – لانه جعل المقاومة ان بالشكل او المضمون القانوني والدستوري وكأنها ثابتة دائمة توأمة للشعب والجيش وجزءا من التركيبة المؤسساتية للبنان.

ثانيا: ان اعتبارات المرحلة السياسية التي نمر بها لا يجب ان تؤدي بنا الى القبول والتسليم بامور قد تؤدي الى تغيير النظام اللبناني وتودي بحياة البلاد الدستورية الى افاق تطيح بالتوازنات الطائفية والوطنية، طالما ان نظامنا نظام طائفي. وهنا نود تذكير البعض بان المقاومة بالنهاية هي اولا وقبل اي شيء حركة طائفية مذهبية الطابع والعقيدة والوجود، وبالتالي ومع احترامنا الكلي وتأييدنا لاية مقاومة في مواجهة اي اعتداء اسرائيلي، فاننا نتكلم عن مقاومة لم تعد تكتفي بالدفاع عن الحدود وردع الاحتلال بل باتت تريد ان تستخدم سلاحها سياسيا في لعب دور اساسي في الداخل اللبناني. وبالتالي ولنقلها بصراحة لا نعتقد ان مأسسة المقاومة كما هو وارد في مسودة البيان يمكن ان تبقى محصورة بدورها ضد اسرائيل، بل باتت جزءا من معادلة داخلية ترمي بثقلها على الساحة السياسية وتفرض بقوة السلاح الفعلي والمعنوي معادلات مرفوضة سوف تزعزع التوازنات الداخلية التي لطالما بني عليها لبنان، خصوصا وان السلاح جرب بالداخل وتحول ضد اللبنانيين وثمة تجربة مريرة لم ينسها اللبنانيون اذا نساها المسؤولون.

فنعود اذا الى فكرة انه ومهما كانت الظروف الاقليمية والدولية وسواء اتجهت نحو التوافق او نحو التصادم والتشنج، لا يجب ان تدفع بنا الى الموافقة على محظورات اساسية ستزعزع الوضع الداخلي اليوم او بعد غد او بعد سنة او سنتين، من خلال اعتماد مبادئ تضرب التوازنات وتضرب النظام الدستوري ومنطق المؤسسات الدستورية، خصوصا واننا اليوم امام تحدي اثارة الغاء الطائفية السياسية الذي يواكب ظهور هذا التساهل في قبول مأسسة المقاومة. فالسلاح اداة تغلب فئة على فئة وبالتالي الغاء الطائفية السياسية سيؤدي في ظل الوضع الحالي الى تغليب فئة على فئة. وهذا ايضا تهديد للاستقرار اللبناني ومؤشر انفجار قد لا يتأخر، اذا عاد بعض المسؤولين الى وعيهم ورشدهم وتنبهوا الى ان ما وراء الحوار والكلام المعسول والانفتاح المرحب به، دخولا بحيث يدرون او لا يدرون او ادخالا للبلاد – رويدا رويدا – في نظام دستوري وسياسي جديد يكرس غلبة فئة على أخرى. فلبنان لا يقوم بغلبة فريق على فريق بل وحدة الجميع لتغليب الدولة ومنطق الدولة والمؤسسات.

ثالثا: ان اسوأ ما في مسودة البيان في البند (6) انه جاء ليمأسس المقاومة. فالمقاومة في عرفنا وعرف العالم حالة مؤقتة وطارئة لمواجهة طارئ احتلالي. فلا يصح ان تتحول المقاومة الى برنامج وهدف ونظرة لوطن وبلاد وعباد ودولة. فتحويل المقاومة الى مؤسسة فيه نوعا ما افتئات واستباق لطاولة الحوار ولما ستسفر عنه لجهة الاستراتيجية الدفاعية، لان البيان جاء ليكرس المقاومة كحقيقة واقعة دائمة ومستمرة، ما من شأنه ان يبطل مفاعيل اي بحث في استراتيجية دفاعية من خلال عدم القدرة بعد الان على اقناع او على ايجاد الية تستوعب المقاومة او تشركها في الدفاع عن لبنان امام اي اعتداء. ففي الشكل كما في المضمون ذكر المقاومة الى جانب الجيش والشعب كفيل بجعلها في مرتبة تساو معهما.

وبالتالي وبما ان الشعب ثابتة دستورية وقانونية والجيش المؤسسة العسكرية الثابتة والمولجة الزود عن البلاد والوطن، فالمقاومة تصبح حقيقة دستورية تضمنها بيان وزاري لحكومة دستورية وشرعية، تعطيها الحق بالتصرف الى جانب الجيش والشعب بدل ان تكون تحت ظل الجيش وبتصرف الشعب.

رابعا: ان البيان الوزاري اقر في البند (6) بلبنانية مزارع شبعا، وبالتالي بطلت مفاعيل اعتبار المزارع جزءا من ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا. كما بطلت المطالبة باعتراف سوريا بلبنانية مزارع شبعا، فاقرار حق تحرير مزارع شبعا كان يجب ان يأتي في سياقه ذكر او عبارة "وبعد ترسيم الحدود وتثبيت لبنانيتها"، لان لبنان لا يستطيع ان يقر لوحده بلبنانية المزارع طالما ان سوريا لم تقم بما يلزم قانونيا مع الامانة العامة للامم المتحدة. ولا يغير شيء ذكر الترسيم في البند( 9) من البيان على تثبيت لبنانية المزارع الوارد في البند (6). الامر الذي يخالف القانون والترسيم واصول اقراره بين الدول وليس من طرف واحد من دون ان ننسى ان الاقرار الوارد بحق تحرير مزارع شبعا بات يعطي المقاومة الحق في الاعتداد بهذا النص لشرعنة مقاومته في ارض لم يصار الى ترسيمها رسميا بعد وليس معروفا ما اذا كانت لبنانية ام لا.

خامسا: كان من الافضل ان يشار الى حق لبنان من دون الاستطراد بشمول الجيش والمقاومة او ان يذكر مثلا "حق لبنان وشعبه" من دون مقاومة لان الشعب بالنهاية يصبح كله مقاوما عند الحاجة، ولان مطلق حركة ومقاومة تنطلق من الشعب. اما ذكر المقاومة الى جانب الجيش والشعب فقد جاء ليصبغ شرعية اقرب ما تكون الى شرعية مؤسساتية وتضعها (اي المقاومة) في موقع سياسي باتت الاستراتيجية الدفاعية مقيدة بها مهما كانت الصيغ. بعبارة اوضح، ان ذكر المقاومة كما حصل في البند (6) قطع الطريق على اية فكرة اندماجية او استيعابية للمقاومة في مؤسسات الدولة او الى جانبها، كما من المفترض ان تتناولها اية استراتيجية دفاعية منتظرة.

سادسا: والبند (6) جاء مناقضا ليس فقط لوثيقة الوفاق الوطني في الطائف بل وايضا وخصوصا مناقضا للقرار 1701، لان القرار الاخير ارسى وضعا ميدانيا وقانونيا وامميا يحظر استخدام العنف والقوة المسلحة من اي من الطرفين وانشأ شريطا امنيا لضمان عدم اللجوء الى العنف. وبالتالي الا في حالة الاجتياح او الهجوم الاسرائيلي الجديد على لبنان وجنوبه، لا يمكن لاحد بما فيها المقاومة ان تقوم باية عمليات عسكرية انطلاقا من الداخل اللبناني، ما لم يكن المقصود ان تشرع الحكومة اللبنانية عمليات مقاومة ضد مزارع شبعا كون لبنان حسم لبنانية مزارعه وبالتالي باتت المنطقة تحت طائل القرار (425).

اما لجهة مناقضة وثيقة الطائف فاننا نضيف الى ما حصل في الدوحة من تعديل فعلي، لا نؤيده، للوثيقة بمجرد الاعتراف والاقرار بامر واقع مقاوم مهدد للسلامة والاستقرار الداخليين. فصحيح ان البند يناقض الطائف لا سيما في الشق المتعلق بحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية من دون اي استثناء لمقاومة او غير مقاومة، علما ان بتاريخ اقرار الطائف عام (1998) كانت المقاومة في الجنوب ولا سيما حزب الله موجودا وكانت الظاهرة في بدايتها. وبالتالي لو اراد المشرع الدستوري والسياسي في الطائف استثنائها لما فعل كما انه يناقض الطائف في انه يناقض بند الطائف الذي يحصر بالقوات المسلحة الوطنية امر حماية لبنان – بقوله :"… ان المهمة الاساسية للقوات المسلحة هي الدفاع عن الوطن وعند الضرورة حماية النظام العام عندما يتعدى الخطر قدرة قوى الامن الداخلي وحدها على معالجته…" (الفقرة أ- من البند (3) تعزيز القوات المسلحة ).

فالحصرية المسلحة بيد السلطة الشرعية واضحة في الطائف لمن يريد فهمها واستيعاب اللغة العربية، وهي حصرية تتراوح بين الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي ولا احد سواها للدفاع عن لبنان وحماية نظامه. وبالتالي حالة المقاومة استثناء لا يجوز ان يتحول الى قاعدة والى مؤسسة وكأنها باتت جزءا من النظام والدستور.

سابعا: تدل الشواهد التاريخية على ان حركات المقاومة عبر التاريخ كانت تملأ فراغات غياب الدولة واجهزتها العسكرية او تحالف الدولة واجهزتها العسكرية مع العدو اثناء الغزاوات والاحتلالات: ففي فرنسا واثناء الحرب العالمية الثانية كانت تسمى المقاومة الفرنسية "بجيش الظل" لملء فراغ خيانة حكومة فيشي للمارشال بيتان مع هتلر – وفي 18 حزيران 1940 دعى الجنرال شارل ديغول (قائد المقاومة وفرنسا الحرة ) وقد كانت فرنسا رازحة تحت الاحتلال النازي، كل مواطن فرنسي لديه فكرة عن حمل السلاح لملاقاته في لندن حيث كان يقيم ويدير مقاومته. وقد كلفهم القيام بعمليات ضد المحتل وضد سلطات فيشي الخائنة والتي كانت تمثل السلطة الشرعية الفرنسية انذاك، وقام السيد جان مولان مكلفا من ديغول بتوحيد القوى المقاومة في فرنسا والتي استمرت حتى دخول ديغول باريس عام 1944 وتحرير فرنسا، حيث انتهت المقاومة واسس ديغول دولة دستورية جديدة عرفت بالجمهورية الخامسة. لابل اكثر من ذلك انخرط قياديوا المقاومة في صلب الدولة فعام 1946 كانت غالبية البرلمانيين (ثلاثة ارباعهم ) مقاومين قدامى واطلقوا برنامج اعادة بناء الدولة تحت اسم (المجلس الوطني للمقاومة )
CONSEIL NATIONAL DE LA RESISTANCE – LE 15 MARS 1944- وبحسب هذا البرنامج " لا قيمة للعمليات العسكرية للمقاومة الا اذا كان لها فعالية سياسية"
ما يعني ان المقاومة حيث انتهت كانت لتسليم الدولة السلطة وللدخول في المعترك السياسي في ظل سيادة الجمهورية الخامسة.

كذلك في الجزائر، فان المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي للبلاد بين عامي 1945 و1954 اثبتت ان الدولة كانت غائبة لان المحتل كان يسيطر على كافة مؤسسات الحكم والادارة وبالتالي قامت جبهة التحرير الوطنية الجزائرية بشن اوسع عمليات مقاومة ضد المحتل في كل الجزائر عبر جبهتين: داخلية اقامت من خلالها مقاومتها المسلحة بواسطة منظمة متخصصة من مقاومين مجندين ومقاتلين، وخارجية من خلال تشكيل نواة تنظيم سياسي ديبلوماسي لطرح القضية الجزائرية على الامم. وقد نجحت هذه المنظمة في ادخال موضوع الجزائر لاول مرة على جدول اعمال الامم المتحدة في 1958، ولم تتوقف المقاومة الا بالتوقيع مع ديغول على اتفاقيات "ايفيان" الشهيرة التي كرست اعتراف فرنسا باستقلال الجزائر وقيام دولة جزائرية مستقلة سيدة تمسك بزمام امور الشعب والامة فانتهت المقاومة ودخلت جبهة التحرير الجزائرية الحكم وبرز اول رئيس جمهورية لها منها هو الزعيم هواري بوميديان وصولا الى عبد العزيز بوتفليقة ايامنا الحالية. (المعلومات التاريخية من مجموعة ويكيبيديا الالكترونية).

فكل هذه الشواهد التاريخية العالمية للحركات المقاومة اثبتت وتثبت بما لا يدع مجالا للشك والتأويل بان اية حركة مقاومة لا تستطيع ان توجد الى جانب كيان دولة دستورية – ذات سيادة وحرية واستقلال – من هنا القول بان الشعب هو الذي يصنع مقاومة ويفرض مقاومة عند الحاجة او عند غياب الدولة ومؤسساتها العسكرية والدفاعية. وبالتالي لا نستطيع ولا يمكن التوفيق بين منطق سيادة دولة قائمة وموجودة ومنطلقة وبين منطق مقاومة مسلحة منفلتة من ضوابط وسياسات الدولة المركزية. فعند اي هجوم او اعتداء كلنا نقاوم، ولكن وبعد الانتهاء من المقاومة تأتي الدولة لتنظم وتدير وتتولى الحياة الوطنية وصيانة مصالح الامة. ونعود ونكرر الى انه اذا كان المعتد باحتلال اسرائيل لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر فان المقاومة لا تستطيع بحكم القرار 1701 القيام باية عملية عسكرية انطلاقا من الاراضي اللبنانية الواقعة تحت حظر القرار الدولي وبالتالي بطلت ذريعة هذا الاحتلال للتسويق لاستمرار مقاومة. اما في حال عدوان جديد على لبنان فعندها لكل حادث حديث.

ويبقى ان نشير الى ان هيئة الحوار في البيان الوزاري باتت وكأنها مؤسسة دستورية قائمة بنفسها، الامر الذي يناقض الدستور والطائف ويظهر سلطات جديدة على حساب المؤسسات والسلطات الدستورية المفترض ان تحل كافة القضايا بدءا من مجلس النواب وصولا الى مجلس الوزراء. فهذا المنطق المستسهل لاطلاق هيئات جديدة وتكريس مأسسة معينة لها على حساب النظام والدستور لاكبر دليل على حالة الاهتراء السياسي الذي وصلنا اليه في لبنان بحيث لم يعد هناك ضابط او رادع مؤسساتي او دستوري شرعي يستطيع ايقاف هذه البدع سواء في البيان الوزاري او في كافة مظاهر الحياة السياسية والوطنية والدستورية في البلاد.

واخيرا وليس اخرا نعتقد بانه واذا كان المنحى يتجه اكثر فاكثر نحو تشريع ما لا يشرع وتأسيس ما ليس بمؤسسة، فانه يبقى من الاجدر والمفيد تشكيل هيئة وطنية لتفسير وشرح وثيقة الطائف، تؤلف من الاحياء الذين شاركوا في وضع الطائف ومن خبراء دستوريين وقانونيين، لتشكل مرجعا لتفسير النصوص بعد ان افلست نهائيا ضوابط النفوس.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل