#adsense

الوثيقة السياسية وسقوط فكرة الدولة السيدة

حجم الخط

الوثيقة السياسية وسقوط فكرة الدولة السيدة
المحامي جورج ابو صعب

باستثناء الايجابية الشكلية المتمثلة في محاولة الوثيقة السياسية لحزب الله لبننة الخطاب واللهجة والاهتمامات (مع ان في ذلك ادانة بحد ذاتها له بان خطابه لم يكن اقله دائما خطابا لبنانيا ) والتذكير ببعض الثوابت الوطنية (وحدة الارض والشعب والمؤسسات – رفض التوطين …) فان حزب الله كرس في وثيقته السياسية نظرته الانقلابية على مفهوم الدولة اللبنانية وفكرة النظام البرلماني الديمقراطي الجمهوري، وذلك من خلال اعلانه باسلوب هادئ وديبلوماسي عدم اعترافه بالنظام القائم حاليا واقتراحه نظرته هو لبناء الدولة. مع ان هذا حقه وحق كل فريق سياسي ولا جدال في ذلك بل في مضمون النظرة. ولكن نظرته تأتي على حساب فكرة الدولة القوية القادرة والجامعة لكل اللبنانيين – الامر الذي يدفعنا لتسجيل الملاحظات الاتية:

اولا: تسليم الوثيقة بضعف الدولة كثابتة مبررة لوجود المقاومة:

ابهى واغرب ما حوته هذه الوثيقة السياسية تسليمها تسليما نهائيا بضعف الدولة اللبنانية عن مواجهة اسرائيل وحماية لبنان من الاخطار وكانه قدر محتوم لا امل منه ولا حول ولا قوة امامه. وهذا الاقرار الصريح يؤكد ما كنا دائما نشير اليه في معرض تناولنا لفكر وفلسفة وجود الحزب والمقاومة. فالحزب يعتبر الدولة عاجزة عن الدفاع عن سيادتها واستقلالها، ولعل هذا الكلام صحيح اذا اردناه من باب التوصيف الحالي للوضع. ولكن الاختلاف مع الحزب يبدأ من السؤال: وماذا نفعل ويفعل هو تحديدا لتقوية الدولة؟

فمن الواضح ان الحزب هو المستفيد الاول والاخير من ضعف الدولة واجهزتها لان هذا الضعف يبرر وجوده ويعطي لاستمراريته كل الضمانات اللازمة. وبالتالي لا يمكن ان تكون تقوية الدولة اولوية لديه طالما انه بحاجة الى تبرير وجوده والاستمرار في أجندته الخاصة المتميزة عن الدولة وعن مصالحها العليا.

من هنا فان الويثقة ركزت احدى مداميك وجود المقاومة على اساس ضعف الدولة وعجزها عن مقاومة اسرائيل في حالة العدوان. فهو بحاجة الى هذه الذريعة ولا يستطيع ان يهتم بتقوية الدولة لان قسما هاما من سلطة وهيبة الدولة اليوم بيد الحزب (سيطرته الميدانية على قسم من الاراضي اللبنانية والمناطق الامنية المغلقة حتى بوجه قوى الشرعية – سلاحه الذي يفوق سلاح الدولة قوة ونوعية وكمية – قرار السلم والحرب الذي يصادره الحزب خلافا للمادة (65) من الدستور…) وكلها ادوات استمراريته وقوته السياسية الداخلية في فرض ما يشاء هو وحلفاؤه.

فالوثيقة اذا جاءت لتكرس عدم اعتراف الحزب بقوة الدولة وعدم اقراره بتسليمها القدرة على المقاومة وحماية البلاد، بدل العمل على ايجاد اساليب وخطط من طرفه لتدعيم الدولة ومعالجة هذا الضعف الذي يعتد به. وبالتالي تفهمنا الوثيقة بوضوح بان المقاومة معادلة ثابتة لا مجال لتخطيها في اي تصور جديد للبنان ولنظامه السياسي وهي المحتكرة للمواجهة مع اسرائيل ولعل في ذلك صميم وجوده وصميم دوره الذي بات يتعدى الحدود اللبنانية الى ما هو ابعد من ذلك بكثير، كما تشهد عليه الوثيقة في بعديها الاقليمي الدولي.

ثانيا : دعوة الوثيقة الى تغيير النظام الديمقراطي:

الاشكالية الثانية التي طرحتها الوثيقة متمثلة في اقامة توازن ابتزازي للاكثرية بين الغاء الطائفية السياسية واعتماد الديمقراطية التوافقية. ونقول ابتزازي اذا ربطنا هذا الكلام بكلام مبادرة الرئيس نبيه بري بموضوع اصراره على الغاء الطائفية السياسية: فالرئيس بري اثبت انه باتت مواقفه صدى ما يخطط له الحزب وما تنويه الاقلية، فاصراره المفاجئ على الغاء الطائفية السياسية سرعان ما توضحت مع صدور الوثيقة السياسية للحزب، وبالتالي فان الرئيس بري لم يقم الا باطلاق صفارة الانذار بان اوان "التغيير" قد آن في فلسفة ونظرة ورؤية الحزب ومعه حلفاؤه والرئيس بري في طليعتهم.

فطرح الغاء الطائفية السياسية جاء في الوثيقة اكثر وضوحا من مبادرة الرئيس بري لناحية خلفية الطرح : ففي حين وضعها الرئيس بري للتمويه في سياق تطبيق كلي للطائف – جاءت الوثيقة تضع الغاء الطائفية السياسية في مقابل اعتماد الديمقراطية التوافقية في حين ان قسما كبيرا من بنبود الوثيقة تنافي الطائف وفكر الطائف واسس الطائف .

انه توزيع الادوار بامتياز – والتكامل السياسي بامتياز بين الرئيس بري وحزب الله …
ولعل اخطر ما تضمنته الوثيقة في هذا المجال هو هذا الابتزاز الذي يضع اللبنانيين امام خيارين: اما الغاء الطائفية السياسية (التي سوف ترجح طائفية عددية من نوع اخر بشكل او باخر) واما السير في اعتماد الديمقراطية التوافقية (وهذا ما يعني شل البلاد وتأخرها بالاضافة الى تغيير نظام الطائف وتغيير الدستور لا بل الاطاحة بهما).

فالغاء الطائفية السياسية بحاجة الى سلة من الضمانات خاصة للمسيحيين لان السير فيه يعني، وفي ظل قوة السلاح وقوة الفرض الناجم عن السلاح المذهبي الطابع والطائفي التوجه، سوف يعني لا محال خللا في التوازنات وخللا في الشعور الجماعي بالاطمئنان لدى كل الطوائف وتحديدا المسيحيين. ما يؤسس اجلا ام عاجلا لحالة عدم استقرار تؤدي الى احتقانات جديدة تفجر حروبا جديدة مع الوقت وتطيح بالبلاد وانجازاتها مجددا.

والديمقراطية التوافقية في ما تعنيه في القاموس اللبناني للاقلية هو سلاح اسقاط للنظام البرلماني الديمقراطي، واداة ابتزاز الاكثرية في كل مفترق وامام اي استحقاق وطني لالزام الاكثرية بالرضوخ لمطالب الاقلية والسير في تسويات تضعف مواقع الاكثرية وتزيد من تباعدها بالتالي عن جمهورها وتعمق ازمة الثقة مستقبلا بينها وبين جماهيرها، تمهيدا للقضاء نهائيا على انجاز الانتخابات النيابية الاخيرة وبالتالي القضاء على وحدة تلك الاكثرية كما بدأت بعض الملامح والتعليقات لدى فريق الاقلية يروج اليوم .

فالوثيقة السياسية اذا تدعو الى تغيير النظام باسقاط ما بني عليه الصرح الدستوري السياسي من مبادئ برلمانية وديمقراطية، لاستبداله بديمقراطية توافقية اكتسبت سياسيا في الاونة الاخيرة المزيد من الزخم بفعل مواقف مبدئية صدرت من اكثر من موقع في الدولة ولا سيما من فخامة الرئيس ميشال سليمان حين اطلق موقفه الشهير من انه لن يوقع الا على مرسوم تشكيل حكومة وحدة وطنية. وكذلك موقف الرئيس سعد الحريري الذي اكد منذ اللحظات الاولى من الانتصار الانتخابي على عزمه تشكيل حكومة وحدة وطنية، ونحن نرى ان ثمة خطأ تكتيكيا قد ارتكب في هذا الاطار بالاضافة الى الخطأ التكتيكي الثاني المتمثل باعادة انتخاب الرئيس بري دون اية سلة متكاملة مع الاكثرية.

فالديمقراطية التوافقية بدعة اسقاط النظام وعليه سار الحزب في وثيقته والغاء الطائفية السياسية بدعة السيطرة على النظام وعليه يقع طموح الحزب غير المعلن. وفي الحالتين كلام صح يراد به باطل والباطل هو اسقاط الطائف واسقاط الدستور الحالي وقاعدة التصويت في مجلس الوزراء على القرارات المصيرية في حال تعذر الاجماع.

ثالثا: الوثيقة حسمت الاستراتيجية الدفاعية واقفلت باب النقاش:

نقول حسمت من منطلق ان المعني المباشر بالاستراتيجية الدفاعية الا وهو حزب الله خرج من صمته على طاولة الحوار وطرح في الوثيقة رؤيته للاستراتيجية الدفاعية المختصرة بالتزاوج بين الجيش والمقاومة. فاية استراتيجية دفاعية اقل من هذا السقف ستكون مرفوضة من طرف الحزب وبالتالي نستطيع القول ان الباب للنقاش في هذا الموضوع قد اقفل بالنسبة الى الحزب. ولكن بالنسبة الى الاكثرية خاصة وان تلك الاكثرية لن تقبل او يجب ان لا تقبل باقل من منح الدولة وحدها قرار السلم والحرب ولن تقبل باقل من سقف النظام الدستوري الذي ينيط القرار بمجلس الوزراء باكثرية الثلثين (مع اننا اليوم امام ثلث معطل مستتر في ظل التشكيلة الحالية للحكومة) كما لن تقبل الاكثرية باقل من اعتبار مجلس الدفاع الاعلى برئاسة رئيس الجمهورية ونيابة رئيس مجلس الوزراء وفقا لاحكام المواد (49 ) و (64) و (65) من الدستور المسؤولين المباشرين عن قيادة القوات المسلحة وبالتالي المؤتمنين على اية مواجهة مع اسرائيل او اي اعتداء على الوطن.

فالحزب في وثيقته حسم موقفه من الاستراتيجية الدفاعية وقطع الطريق امام طاولة الحوار بانيا استراتيجيته على بدعة التزاوج بين القوى المسلحة الشرعية (الجيش) والمقاومة. ومن هنا التخوف الكبير والهاجس الذي كان وزراء الاكثرية المسيحيين قد عبروا عنه في اجتماعات لجنة صياغة البيان الوزاري والذي وللاسف تكرس في مسودة البيان الوزاري من مأسسة وقوننة وشرعنة للمقاومة وتحويلها مباشرة وغير مباشرة الى سلطة او قوة او شخصية سياسية ثابتة في الحياة السياسية اللبنانية تحظى بغطاء شرعي ودستوري من السلطة الاجرائية المناط بها دستوريا وحدها امر اقرار الحرب والسلم.

فالوثيقة طرحت الاشكالية واستبقت طاولة الحوار وخالفت وثيقة الطائف التي تكلمت عن بسط سلطة الدولة بقواها الشرعية والتي رسمت ايضا استراتيجية متكاملة لاسترداد الاراضي المحتلة، بعيدا عن منطق الميليشيات المفترض حلها دون استثناء. وقد كان الحزب مقاوما عام 1989 لو اراد المشرع استثناء المقاومة من حل الميليشيات لما ذكرها بوضوح. وبالتالي فان الوثيقة قطعت الطريق امام مناقشة الاستراتيجية الدفاعية مستفيدة من شرعنتها في البيان الوزاري. ولعل في التوقيت الذي اختار الحزب لاطلاق وثيقته السياسية عشية مناقشة البيان في مجلس الوزراء لاقراره خير دليل على الحملة المدروسة والمحكمة التي نظمها الحزب لشرعنة وجوده وتوثيقه قانونيا وسياسيا بعد ان كسب معركة اقراره دستوريا في البيان الوزاري.

رابعا: الوثيقة اكدت اشكالية لبنانية داخلية بربط لبنان بالصراعات الاقليمية:

انطلاقا من رؤية الحزب المعبر عنها في الوثيقة بان الولايات المتحدة تتراجع كقوة مهيمنة وتحلل نظام القطب الواحد المهيمن وبداية تشكل مسار الافول التاريخي المتسارع للكيان الصهيوني، والكلام الحرفي مأخوذ من الوثيقة التي استعملت مصطلح اسرائيل والعدوان الاسرائيلي في معرض الكلام عن الوضع اللبناني الداخلي ومصطلح الكيان الصهيوني في الحديث عن الملفات الاقليمية. فان الوثيقة عادت وطرحت اشكالية ربط لبنان بالصراع الاقليمي لا بل الصراعات الاقليمية التي تجاوزت بكثير النزاع العربي ـ الاسرائيلي ليصل الى الملفات الساخنة الاخرى ليس اقلها الملف النووي الايراني والصراع الايراني مع الغرب والولايات المتحدة والملف العراقي والفلسطيني…

فالحزب هو المستفيد الوحيد من استمرار الربط بين لبنان والازمات في المنطقة لان في ذلك الوجه الخفي للحزب ولدوره الذي لا يقتصر على الوضع اللبناني وتحرير الارض المحتلة – وهو دور بات واضح الاهداف والاجندات – ما يبرر استمراره ووجوده انطلاقا من لبنان وعلى حساب سيادة وسلامة الوطن.

فالوثيقة تتكلم عن ارتقاء المقاومة من قيمة وطنية لبنانية الى كونها قيمة عربية واسلامية متألقة وقد اصبحت اليوم قيمة عالمية وانسانية يجري استلهام انموذجها والبناء على انجازاتها في تجارب وأدبيات كل لساعين من اجل الحرية والاستقلال – والكلام حرفي من نص الوثيقة – الامر الذي يبين لنا بوضوح الحجم الفكري الذي يضع الحزب نفسه فيه والذي تجاوز لبنان الى ان يصبح مثالا عالميا ذات رسالة تحرير وتحرر على طريقة اسلوب ومثال تشي غيفارا وزعماء حركات التحرر العالمية.

فالحزب الذي يعتبر في وثيقته السياسية بانه لم يعد ممكنا مقاربة تلك التحولات من دون ملاحظة المكانة الخاصة التي باتت تشغلها مقاومتنا – والكلام للنص الحرفي من الوثيقة – مسار المقاومة والممانعة في طوره التصاعدي الذي يستند الى انتصارات عسكرية ونجاحات سياسية وترسخ انموذج المقاومة شعبيا وسياسيا والثبات في المواقع والمواقف السياسية رغم ضخامة الاستهداف وجسامة التحديات… وصولا الى امالة موزاين القوى في المعادلة الاقليمية لصالح المقاومة وداعميها، ودائما كما جاء في النص الحرفي للوثيقة، لاكبر دليل على صحة الهواجس والقلق الذي ينتابنا من هذه الظاهرة الاممية لحركة لبنانية تخرق الحدود ولا تقر بها اساسا لا من ناحية شرعية دينية ولا من ناحية سياسية عقائدية، لتربط لبنان ليس فقط بملفات المنطقة والعالم ربما بل وبقضاياها الساخنة والمتفجرة. الامر الذي يفوق قدرة لبنان واللبنانيين على التحمل والرزح تحت اثقالها وتضحياتها التي سيدفع لبنان وشعبه وحدهما اثمانها.

فالوثيقة السياسية للحزب كشفت القناع عن الاهداف غير المعلنة للحركة المقاومة التي يديرها وبالتالي كشفت بوضوح الوظيفة السياسية الخارجية التي يلعبها ولكن العبرة هي لمن يقرأ ويفهم جيدا الرسائل التي تضمنتها الوثيقة.

وفي الختام
واذ نعيد قراءة الوثيقة اكثر من مرة متوقفين عند الفواصل والمصطلحات والترابط في الافكار، لايسعنا الا وان ندق ناقوس الخطر، من ان النظام اللبناني في خطر كما استقرار لبنان الداخلي بخطر. فالمواقف المبدئية ستبقى كما هي لدى كل فريق ولن يكون من مجال لللالتقاء على قواسم مشتركة جذرية لاسس البقاء معا – وبقاء هذا الوطن لابنائه فقط. فاهم ما جاءت به الوثيقة انها افهمتنا وافهمت كل من يريد ان يرى ويسمع بان حزب الله وان كان حزبا في الشكل لبناني وفي اعضائه لبناني وفي موقعه السياسي الداخلي لبناني الا انه في الوقت عينه كيان اقليمي ذات اهداف خارجية واستراتيجية عالمية. وبالتالي ما "تلببن" في الوثيقة كلمات واحرف وانما الجوهر كل الجوهر بقي غريبا عن لبنان واللبننة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل