#adsense

لأن بكركي ثابتة والسياسيون عابرون ومتغيّرون هل تكون زيارة عون بداية تحقيق وحدة الهدف ؟

حجم الخط

لأن بكركي ثابتة والسياسيون عابرون ومتغيّرون
هل تكون زيارة عون بداية تحقيق وحدة الهدف ؟

السؤال الذي لا يزال مطروحا وتختلف الاجوبة عنه والتفسيرات هو: لماذا زار العماد ميشال عون بكركي وطلب ان يلتقي البطريرك الكاردينال صفير في حضور مجلس المطارنة الموارنة؟

هل ليشرح اسباب مواقفه المتعارضة ومواقف بكركي في محطات كثيرة، اذ انه لم يكن معها لا في موضوع اتفاق الطائف ولا في موضوع الانتخابات الرئاسية بإصراره على تعطيل هذه الانتخابات، ولا بمشاركته في اعتصام الخيم وسط بيروت وما سبّب من خسائر مادية فادحة، ولم يكتف بذلك بل هاجم البطريرك صفير وتهجم عليه اكثر من مرة واتهمه بانه يغطي الفساد وانه لا يمثل الرأي العام المسيحي؟ هل زار بكركي ليقنعها بآرائه ومواقفه من سلاح "حزب الله" ومن الوثيقة السياسية الاخيرة للحزب، ويعطي رأيه في موضوع الغاء الطائفية السياسية وغيرها من المواضيع التي يقف منها على طرفي نقيض مع بكركي؟

ايا تكن اسباب هذه الزيارة ودوافعها ونتائجها فإنها تؤكد ان بكركي هي الثابتة وسواها من السياسيين عابر ومتغير، وان بكركي هي على حق وهي التي تصحّح أخطاء السياسيين وان مبادئها مبنية على صخرة الايمان ومبادئ سواها من السياسيين والاحزاب على رمال.
يقول نائب في قوى 14 آذار ان زيارة العماد ميشال عون لبكركي بعد حملته عليها وعلى مواقفها اكثر من مرة، تثبت انها لا تتغير اذا تغير سواها وان مواقفها وطنية وثابتة لانها ليست في خدمة احد، بل في خدمة لبنان السيد الحر المستقل فقط. وقد يكون ما دفع العماد عون الى زيارة بكركي مهما تكن نتائجها، انه تذكر ما حل بالذين تصادموا معها على مر التاريخ، وكيف كانت بكركي عصا في وجه من يعصون عليها، وان المسيحيين يرجعون اليها في كل امر، وهي الخط الذي يسيرون فيه والعصا التي ترفعها في وجه الظلم والاستبداد والعصيان.

وجاء في كتاب امين سر البطريركية المارونية الاب ميشال عويط "ان الموارنة وجدوا مرة انفسهم في وضع صعب عام 687 وعرفوا ان الخطر كبير وأنهم اذا بقوا على ما هم عليه فانهم معرضون للانهيار. فالأعداء كثيرون والمستقبل قاتم، فاما ان يتركوا الساحة واما ان يتابعوا المسيرة، فقرروا المخاطرة ولم يجبنوا، واستطاعوا بصبرهم على العمل تذليل الصخور فاخصبوها، واضطر معظم البطاركة الى ان يختفوا في البراري والانتقال من كهف الى كهف ومن منطقة الى منطقة وكان هاجسهم الاول استقلال لبنان والعمل لخدمته".

وبعد انسحاب الدولة العثمانية ظهرت بين اللبنانيين اتجاهات عدة ابرزها اتجاهان: الاول يريد الاستقلال مع مساعدة فرنسا لمدة محدودة والآخر يريد الاستقلال عن اي حكم اجنبي ولكن مع الارتباط بالحكم الفيصلي الذي قام في دمشق. وانعقد مؤتمر الصلح في فرساي عام 1919 فتحقق الاستقلال تحت الانتداب الفرنسي، وكان الموارنة يمثلون اتجاها وكان هناك اتجاه آخر يتعاطف مع الدول العربية. لكن اللبنانيين اتفقوا على الاستقلال عام 1943. وكان البطريرك الماروني خلال كل الاحداث ايا كان اسمه حاضرا وفاعلا يؤيد كل مسعى للخير ويقف في وجه كل ظلم. وعرف اللبنانيون انه يعمل لهم جميعا. ففي عام 1858 عندما وقعت في كسروان "ثورة" طانيوس شاهين، كان البطريرك بولس مسعد مع الشعب من دون ان يكون ضد حكامه، وايد يوسف بك كرم في ثورته على الاتراك لكنه كان حكيما عندما تراجع عن تأييده ووجد في ذلك مصلحة لبنان. ومشى البطريرك يوحنا الحاج على الخط عينه، ووقف في خدمة الشعب وكان يردد: "اذا كانت عظامي تنفع الطائفة فخذوها واجعلوها محرقة في سبيل خيرها". والبطريرك الياس الحويك كان يعرف ان يقول كلمته ضد الظلم غير عابئ بالنتائج، فوقف في وجه جمال باشا وفي وجه القنصل الفرنسي عندما كان الوقوف في وجههما يؤول الى خدمة الشعب. وفي عام 1919 انتدبته الحكومة اللبنانية وجميع الطوائف اللبنانية الى مؤتمر فرساي ليطلب الاستقلال (ثمة من عارض قيام لبنان الكبير بالقول ان دور الموارنة يصغر فيه).

ورهن البطريرك انطون عريضة عندما كان مطرانا صليبه لاطعام الفقراء ودعا الى مؤتمر بكركي الذي اقر فيه تأييد استقلال لبنان وسيادته التامة وعادى الانتداب وشركة الريجي. ووقف الكاردينال بولس المعوشي ضد محاولات التجديد للرئيس كميل شمعون والرئيس فؤاد شهاب وضد انضمام لبنان الى الاحلاف. ووعى البطريرك انطونيوس خريش ما حل بلبنان من محنة هي من اقسى المحن التي عرفها في تاريخه ووعى ايضا ما وصل اليه اللبنانيون من انقسامات وما وصل اليه الموارنة من تفكك، فعرف ان يأخذ الطريق التي سار عليها البطاركة الاقدمون وقد آلمه ان ينتقدها من اراد من ابنائه الى حد انه تعرض لضغوط شعبية. كما عرف ان يؤكد بشجاعة لجميع اللبنانيين ان الاستقلال الذي حققوه عام 1943 لم يكن استقلالا بل اتفاقا على مغانم وحقوق، وان عليهم ان يعودوا الى اصالتهم ويحفظوا المحبة بعضهم تجاه البعض الآخر. فعندما يرتضي اللبنانيون ان يحبوا وطنهم وان يعطوه لا ان يأخذوا منه، يجدون السلام والازدهار.
وسار البطريرك الكاردينال صفير على خط البطاركة العظماء اسلافه في الدفاع عن لبنان السيد الحر المستقل، وعن مصالح الشعب والوقوف في وجه الحكام عندما يخطئون.

ويرى من تابعوا خط سير البطريرك صفير انه كان عنيدا في الحق وثابتا في مبادئه ومواقفه لا يخضع لضغوط ولا يحابي او يساوم على مصلحة لبنان وشعبه، فلم يكن مؤيدا ضمنا للتمديد للرئيس الياس الهراوي وعارض علنا وبشدة التمديد للرئيس اميل لحود ودعاه بكتاب خطي الى الاستقالة عندما اشتدت الازمات والمحن، ولكنه في الوقت نفسه رفض ان يتم اخراجه من الحكم بقوة الشارع بل بقوة القانون والدستور، ولم يتوان عن مطالبة القوات السورية بالانسحاب من كل الاراضي اللبنانية تنفيذا لاتفاق الطائف الذي تحمل مسؤولية الموافقة عليه كاتفاق الضرورة الذي لم يكن من بديل منه سوى العودة الى الاقتتال. وجعل البيانات التي تصدر عن الاجتماعات الشهرية لمجلس المطارنة الموارنة، محط اهتمام الداخل والخارج لانها تعبر عن حقيقة الوضع في البلاد في شتى المجالات. وجعل رعايته للقاء "قرنة شهوان" اول حركة تناضل في سبيل استعادة لبنان سيادته وحريته وقراره الوطني، وهي الحركة التي تحولت كرة ثلج دفعت بها ايدي اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم، فكانت التظاهرات المليونية في ساحة الشهداء، ساحة الحرية، تشجب وتدين اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وما تبع ذلك من اغتيالات لخيرة الرجال وتدعو بأعلى صوتها الى انسحاب القوات السورية من لبنان، وقد انتهت بانتصار "ثورة الارز" بمباركة بكركي.

عسى الا تكون زيارة العماد ميشال عون الى بكركي زيارة مصارحة ومصافحة ومصالحة شخصية فحسب، بل بداية العودة الى طريق الحق والحقيقة، وبداية وحدة الاهداف وليس وحدة الصف لانها وحدة لا تدوم اذا لم تكن اهدافها واحدة…

المصدر:
النهار

خبر عاجل