معارضة الكنيسة للسلاح.. مسيحياً كان أو "حزب اللّهياً"
كتب أيمن شروف في "المستقبل": أثارت وثيقة "حزب الله" السياسية جملة من ردود الفعل، واختلف الوسط السياسي في التعاطي معها وقراءتها، كلٌّ حسب توجهه وموقعه.
لكن أبرز من تفاعل مع "نص الوثيقة" وما تحتويه، كان "الشارع" المسيحي بكل أطيافه، إذ إن ردة الفعل الأولى والأخيرة كانت معارضة بالإجمال، وفي أحسن الأحوال "مغتبطة" في الشكل، بحسب ما يقول مقرّبون من "المعارضة المسيحية" السابقة. هؤلاء يبررون موقف حلفاء الحزب باعتماد نظرية تقوم على أن "خير تعامل مع السلاح يكمن في تجنّب الصدام معه"، وهذا بالتحديد ما يعتمده رئيس النائب ميشال عون بحسب المقربين منه.
ويختلف هذا "الشارع" في ردة فعله، فبين من يرفض ومن هو متردد وحائر، وآخر يحاول "التعمية" عليها بطريقة أو بأخرى، تبقى الـ"نقزة" من ما تضمنته الوثيقة من "تشريع للسلاح" وربط "الديموقراطية التوافقية بإلغاء الطائفية السياسية"، هي العنصر الجامع بين أطياف هذا المجتمع.
وهذه "النقزة" تعبّر بالقول والفعل عن "الهاجس" الذي لطالما شغل بكركي وسيّدها، إذ أن البطريرك الماروني نصر الله صفير، هو من أشد المعارضين لوجود السلاح خارج أطر الدولة، تحت شعار: "لا يمكن قيام دولة قوية وعادلة في حال بقي السلاح متفلّتا خارج إمرتها، وأنه لا يمكن لأي نظام أن يحكم في حال استمرت معادلة الديموقراطية والسلاح"، فـ"الديموقراطية والسلاح" لا يجتمعان" كما يردد دائما صفير.
وانطلاقاً مما تقدم، تتباين الآراء والمواقف من ما يقوله البطريرك في ما خص "السلاح" الخارج عن إمرة الدولة، إلا أن أحد الذين واكبوا بكركي في مختلف المراحل، يقول: "الجميع يتناسى أن سيّد الصرح عارض أطرافاً مسيحيين حملت السلاح وتوهّمت بأنه هو الذي يحمي، فكيف إذا انتقلت عدوى "السلاح" هذه إلى "حزب الله" أو غيره؟.
تقول أوساط قريبة من الصرح البطريركي: "استطاع حزب الله أن يطوّر خطابه في السنوات الماضية، وإذا ما قارنا وثيقته الأخيرة مع الرسالة المفتوحة عام 1985، نرى أسلوباً مختلفاً تماماً من حيث الصياغة والمفردات، إلا أن المضمون ليس ببعيد بينهما"، ويضيف: "إعتقد البعض وللوهلة الأولى حين سماع ما في الوثيقة من توجهات أن الحزب قد تخطى عقائديته ولو قليلاً، إلا أن السيد حسن نصر الله ذكّر بأن الوثيقة سياسية، وهذا لا يمنع أو يلغي ارتباطنا الوثيق بولاية الفقيه، وهذا ما أعاد إلى الأذهان وثيقة الـ85، وأكد بأن الحزب لم يتخطاها بل حسّن فيها".
من واكب بكركي، يقول بثقة العارفين والمطلعين: "البطريرك لا يعادي أحداً، إلا أنه تاريخياً لا ينسجم مع كل من يؤمن بالسلاح وسيلة للبقاء، وهذا ما هو حاصل اليوم مع حزب الله"، ويضيف: "لقد كان (أي البطريرك صفير) معارضاً للمسيحيين عندما حملوا السلاح، عارضهم جميعاً ومن دون استثناء، وهذه هي حاله اليوم مع الحزب".
ولدى سؤاله عن واقع الحال اليوم، مسيحياً بشكل عام، وكنسياً على وجه الخصوص، يقول: "وثيقة "حزب الله" بكل بساطة، عزّزت الإيمان بما كان يقوله البطريرك دائماً، ولا شك أن الشارع المسيحي تأثّر بها أكثر من غيره"، هذا التوصيف بالذات يقول فيه أحدهم: "بالطبع المجتمع المسيحي سيتأثر أكثر من غيره بخطاب كهذا، لأنهم حذرون من كل ما له علاقة بالسلاح، ويخشون أكثر من غيرهم أن يكون له تداعيات عليهم بشكل أو بآخر".
في البيئة المسيحية، هناك من يقول إنه "واهم كل من كان ينتظر من حزب الله أن يقدم رؤية سياسية أفضل مما فعل"، وأحد الآباء الأكاديميين يردد هذه المقولة، ويشير في نفس الوقت إلى أن "الحزب تطور عن السابق، وعلينا نحن أن نجد طريقة للتعامل معه بطريقة واعية بعيداً عن الكيدية، كي لا نغرق في بحر من تجاذبات لن ننجو منها"، وبالتالي تلتقي وجهة نظره مع ما يعتمده زعيم "التغيير والاصلاح".
أما أوساط بكركي، فهي ترى في هذا الطرح "خرقاً للميثاق التي دأبت الكنيسة على اعتماده، أي أنها لن ترضى تحت أي شكل من الأشكال أن تعتمد سياسة التصالح منعاً من الاختلاف، إيماناً منها بحق كل فرد في التعبير عن رأيه، ولقناعة لديها بأن لا قيام للدولة إذا استمرّينا على هذه الوتيرة".
هذا في الجو العام، وجو الكنيسة، لكن الأحداث المتسارعة تلزم طرح تساؤلات عدة، الأولوية فيها الحديث عن زيارة النائب ميشال عون إلى بكركي ساعات بعد إطلاق "حزب الله" لوثيقته، أي أن التوقيت زاد من الالتباس حتى لدى بكركي نفسها، وما يعزّز هذه الرؤية، أن المطارنة لم يقتنعوا بـ"التبريرات التي حاول عون تقديمها في ما خص سلاح حزب الله وأهميته".
ولهذا، تقول الأوساط نفسها: "الجلسة كانت مفيدة بشكل عام، بالرغم من أنها تأخرت كثيراً قبل حصولها، وهي ساهمت في تبريد الأجواء وأظهرت موقع بكركي ووحدة المطارنة وتوّحدهم خلف البطريرك صفير"، إلا أن هذه الأوساط تعتبر أنه "لو تجاوب عون مع طرح المصالحة المسيحية بشكل أكثر إيجابية، كان من شأن هذا الأمر أن يبدد الهواجس حول توقيت الخطوة التي قام بها اتجاه بكركي".
وتختم الأوساط القريبة من بكركي بالقول: "ستستمر التباينات بين الكنيسة والعماد عون، كذلك الأمر بالنسبة إلى وثيقة الحزب التي أشاعت شيئاً من التشاؤم في ما خص الوضع السياسي بشكل عام، والنظرة إلى الوطن من قبل البعض"، وهي ترى "في خطوة النائب عون، إيجابيات تكسر ثقلها وأهميتها سلبيات متعددة، تبدأ بالتوقيت، ولا تنتهي بحال "التيار الوطني الحر" على الصعيد الشعبي، وتحديداً في الآونة الأخيرة"، التي كان "حزب الله" بشكل أو بآخر سبباً في "تضعضع" "التيار البرتقالي".