كرسي الاعتراف
(هذا النص مشهد متخيّل لرجل قرر أن يعترف بأنه لا يعترف بأخطائه)
صعد رجل شارف على الثمانين سلّم الصرح التاريخي ، فكّر بعدما وصل إلى الباب أن يفرّ نزولاً من السلّم المقابل، إلا أن جاذباً قوياً شدّه إلى الداخل، "سكّت ركبتاه" من هيبة المكان، شعر بروحانيات أشخاص تطوف بأرجاء المكان، رشح جبينه عرقاً، أما وجهه فقد نشف ماء حيائه، أدخلوه قاعة، سمع دقات قلبه تتسارع، بدأ تنفسّه يتقطع، جلس على كرسيّه ينتظر، لحظات وأطل من خلف الباب رجل جليل، على وجهه وقار ومهابة، نهض الرجل الذي شارف على الثمانين، خارت قواه تأتأ لسانه وتلعثمت الكلمات، حدّق الرجل الجليل في وجهه، وبرغم أن الجليل ليس من أصحاب القامات الطويلة، إلا أن الرجل المعترف المنهار على كرسيّه كان كلّما اختلس النظر إلى وجه الرجل الجليل رأى قامته تمتد وتعلو حتى تكاد تلامس سقف الصرح، فصرخ من شدّة الخوف:
المعترف: سيّدنا… أريد أن أعترف..
الرجل الجليل: صامتاً يُحدّق بأسى في وجه المعترف.. (فتح باب الغرفة المجاورة والتأم شمل مجلس الحاضرين)
المعترف: "ولي على قامتي…. هلقتنيّة شو بعمل؟؟ مين هيدول كلن؟؟ دخيلك يا "جدعون" اركض ليّ.. دخيلك يا مار مارون… لأ، صعبة مار مارون "كمان خبّصت معو" تصطك أسنانه ويخبئ وجهه بيديه!!
الرجل الجليل: مرحبا بك في بيت أبيك، ماذا تريد؟
المعترف: أريد أن أعترف، ولكن يا سيّدنا أنت تدري أنني لا أستطيع، لا عقلي ولا لساني ولا قلبي يطاوعني.. ثم إنني لا أدري من أين أبدأ؟ من العام 1990 أم من العام 2005 أو عن العام 2006 أو عن العام 2008 أو عن العام 2009؟
الرجل الجليل: "يهزّ برأسه أسفاً وحزناً": حزين أنا على تاريخ لن يرحمك..
المعترف: "وهو يحرّ فوق الكرسي" أنا التاريخ، أنا صانع التاريخ، أنا في عامين صنعت تاريخاً لم يستطع سواي أن يصنعه في أعوام، أنا عجلة التاريخ، أنا منذ جئت في العام 2005 وعجلة التاريخ أديرها إلى الوراء… سيّدنا هل سمعتني عندما قلت لهم أن يصفوني ببطريرك السياسة!! (يخبّئ رأسه داخل قميصه ويضحك هههههههههه)…
الرجل الجليل: لا يهمّ إن كنت سمعت.. المهم هل صدّقت أنت ما قالوا؟
المعترف: (هههههههه)… سيدنا أنت تعرف أنني لا أستطيع إلا أن أصدّق كلّ تفخيم وتعظيم، أنا أحبّ "النفخ"… ثم ما الضير في ذلك؟
الرجل الجليل: ألا تشعر أنك تأخذ البلد إلى هاوية؟ يكاد يصبح لبنان لا يشبه نفسه.. أنت تفعل كلّ ما هو ضد طبيعة البلد..
المعترف: (يحرّ على الكرسي) سيّدنا، أنا الخارق الحارق، أنا صنعت ما عجز القديسون عن صنعه، مار مارون نفسه لو نزل إلى الأرض لما كان فعل ما فعلته أنا للمسيحيين ولبنان..
الرجل الجليل: أنت تقصد ما فعلته بالمسيحيين وبلبنان.. لا بأس ، ماذا تريد الآن؟
المعترف: سيدنا؛ للتاريخ، أنا لم آتِ لأعترف، أنا جئت لأنني قلق، خسرت كل الانتخابات الطالبية والنقابية، أنا لا أقبل هذه الهزائم، أنا "المنصور"، أريد أن تعوّمني؟
الرجل الجليل: كيف؟
المعترف: (يحرّ على الكرسي)… لا أعرف، عليك أن تفعل شيئاً، أن تقول جملة ما، أن أوحي للمسيحيين أنني متفق معك ولو في موضوع واحد، لا أستطيع أن أترك شعبيتي تنهار… يا سيدنا: أنا الشعبية.. أنا الشعب!!
الرجل الجليل: (يهزّ رأسه أسفاً وينظر إلى الحاضرين)… أيها الملأ: أشيروا عليّ؟
الملأ الحاضرون: (يتهامسون) ثم يقولون): عالدَّير سيّدنا….
المعترف: (يحرّ على الكرسي) دير القطّارة؟
الرجل الجليل: "يا إبني.. حاج تحرّ عالكرسي، اجمد شوي"…
المعترف: سيّدنا الكرسي مش مريح إنه يعقرني..
الرجل الجليل: غريب، هذا الكرسي يبعث الراحة في نفس كلّ من يجلس عليه وينزل عن كاهله أثقالاً…
المعترف: (ينهض مرتعداً)… سيّدنا ؛ هل أستطيع أن أطلب منك معونة؟
الرجل الجليل: تفضّل..
المعترف: سيّدنا؛ أنا ما طلعلي كرسي، في المجلس نتساوى كلنا في الجلسة ورأسي لا يحملني، يا سيّدنا: أنا غير، وهذا الكرسي، لم يناسب قعدتي، أنا أرتاح على الكراسي الكبرى…
الرجل الجليل: (ضاق ذرعاً بالرجل الذي شارف على الثمانين): يا بني اختصر وبغير فضول كلام…
المعترف: سيدنا؛ بتعيرني كرستك؟!
الرجل الجليل: (يهزّ برأسه حزناً، يلتفت صوب الملأ الحاضرين): معكم حقّ… عالدّير…
المعترف: دير القطّارة؟
الرجل الجليل: عندما تصل… ستعرف…
المعترف: على المدخل محاطاً بالميكروفونات والأسئلة: أكد لي الرجل الجليل أن زيارتي له تاريخيّة، وقد اعترف لي أنني كنتُ على حقّ في كل ما فعلت وقلت، وقد أجلسني على كرسيّه تكريماً لي، وعيّنني بطريركاً على الدير؟
الصحافيون المتجمهرون: أي دير؟
المعترف: الرجل الجليل أحب أن يُفاجئني، قال لي: بس أوصل بعرف…
"نزل المعترف السلّم حاول أن يبدي راحة، ابتسم ودارت حدقتا عينيه في محجريهما، صعد سيارته خاطب السائق: عالدير… فأقلع السائق باتجاه مستديرة الصيّاد"…