أزمة السير وزنظرة "الوجاهة"
عين العقل والصواب أن يبدأ الرئيس سعد الحريري مشواره مع الأولويات التي وضعها نصب عينيه، انطلاقاً من هموم الناس، وتالياً من همٍّ السير وأزمته ونقمته التي تحتل الصدارة لدى أهل البلد وزائريه.
وخصوصاً إذا كان الكلام والاهتمام يمران بالعاصمة بيروت، ومنها الى معظم المدن الرئيسيَّة ساحلاً وجبلاً .
ليست هذه الأزمة المستعصية ابنة البارحة، وليست العاصمة تشكو وتئن من هذه السيول العارمة حديثاً، بل هي قديمة الشكوى، وقديمة الانوعاد بحلول ووعود، أين منها وعد المن والسلوى.
حين تسلَّم الرئيس فؤاد شهاب زمام السلطة والامور في البلد، ركَّز اهتمامه على إعادة النظر في الهيكليَّة الهرمة للدولة التي ورثها الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، مؤكِّداً تصميمه على إعادة النظر في مجمل التخطيطات القديمة للمدن والجادات والشوارع والاوتوسترادات الرئيسيَّة.
ولم يخف عن الرئيس تقي الدين الصلح، والمستشار الأقرب الى عقله وقلبه الرئيس الياس سركيس، رغبته في أن ينقل شيئاً من ملامح الحداثة والفرادة التي تتمتع بها باريس الى بيروت على الأقل.
في ذلك الحين كانت أزمة السير غير موجودة، وكان الإقبال على اقتناء السيارات وقفاً على فئة محدودة من اللبنانيّين، غير أن تعقيدات لا حصر لها كانت للواء الأمير في المرصاد.
فصرف النظر عنها. أو أرجأها الى ولاية ثانية. وإن تعذَّرت الولاية، فتكون الاحالة على عهد وليّ عهده الياس سركيس.
ذهب الرئيسان، وبعدهما ثلاثة رؤساء وعهود ممدَّدة، وظلت أزمة السير تتوسع في نفوذها، وتتمدَّد من بيروت الى طرابلس، فصيدا وصور، والجبال صيفاً، حتى تحوَّل لبنان الأخضر الحلو كاراجاً، أو موقفاً مختنقاً بكل فروعه بما يفوق المليوني سيارة.
ومعظمها يحمل لوحات خاصة، ويتمتع بأحجام قريبة من أحجام الشاحنات، ويتحرك يوميّاً في اتجاه الشوارع والاسواق المكتظة بالناس والحركة و… السيارات طبعاً.
من السهل توجيه أكثر من لوم وعتب وتوبيخ الى اولئك الذين جعلوا السيارة عنواناً اجتماعيا، "يتميَّزون" من خلاله، ومن خلال التجول اليومي في الشوارع المزدحمة، ويتزنطرون على الآخرين بما يشبه عروض الأزياء في الشوارع والزواريب، المحمول بيد والسيجار بأخرى، فيما الزمامير والصفارات والشتائم تنهمر من كل الجهات.
قيل لي أمس، ومن مصادر عدَّة، انه يكاد لا يخلو بيت لبناني من سيارة على الأقل واثنتين أو أربع بشكل عادي جداً.
ذلك ان السيَّارة تحوَّلت برقمها وموديلها وحجمها عنواناً من عناوين التشاوف والمظهرة والمظرطة…
لكن ذلك كله لن يشكِّل عائقاً، أو حائلاً، أو مانعاً في وجه الرئيس الحريري الذي لا تنقصه الارادة والشجاعة، ولا يعوزه التصميم والاقدام.
وما دام قد اتخذ قراره وأعلن معضلة السير هدفاً رئيسياً في برنامج حكومته، فان الناس سيعدون أنفسهم بمفاجآت سارة.