سياسة العزل مصيرها الفشل
لمّا لم يعد هناك من حزب او شخص أو تيار يفتحون عليها نارهم، ويتناولونها بما لذّ وطاب وتيسّر، من الاتهامات والنعوت والشائعات، خصوصاً بعد المصالحات التي دبّرت على عجل بينهم وبين من كان يباعد بينهم ما صنع الحداد، خلت الساحة السياسية من كل اثر لحروب ونزاعات وكلام من فوق الزنّار وتحته، الا الساحة المفتوحة ابداً لعزل او اسقاط او تهميش مسيحيي 14 آذار بجميع احزابهم وتياراتهم وشخصياتهم والتركيز في شكل خاص على حزبي القوات اللبنانية والكتائب، المتشاركين معهما في حكومة، اطلقوا عليها زوراً اسم حكومة الوحدة الوطنية قياساً على الخطاب العدائي الذي ما زال قائماً حتى اليوم.
وفي حين يرفض بعض وزراء ونواب وقياديي المعارضة السابقة، التهمة التي تقول بأن هناك خطة وضعت لعزل حزب القوات وتهميش حزب الكتائب، وقد اشار الى هذ الامر بوضوح الوزير والنائب السابق الدكتور محمد عبد الحميد بيضون، يتم التداول في الاوساط السياسية والاعلامية عن سعي جدّي يعمل عليه المؤثرون في الوضع اللبناني، لقيام تحالف رباعي جديد على شاكلة التحالف الذي اعلن في العام 2005، قبل اجراء الانتخابات النيابية، وضم الاكثرية الشيعية والاكثرية السنية، والأكثرية الدرزية، ومسيحيي قرنة شهوان، على أن يضم هذه المرة الأكثريات الثلاث ذاتها مع العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية، بحيث تتمكن هذه القوى مجتمعة من فرض ما تريد، وتترك للاقليات في المذاهب الاسلامية الثلاثة، ولمسيحيي 14 آذار «حق» الاعتراض او التحفّظ او الاستقالة، والخيار الثالث، هو على مام ظهر من مواقف وزراء تكتل التغيير والاصلاح ودعواتهم، هو الخيار المطلوب والمفضّل عندهم.
النتيجة الحتمية لقيام مثل هذا التحالف غير المتوازن طائفياً، ستكون من دون شك ارتفاعاً كبيراً في شعبية الاحزاب والشخصيات المسيحية الاخرى، وفي مقدمها حزب القوات اللبنانية الذي يتوقع له بعض المراقبين ان يحقق ما حققه التيار الوطني الحر في انتخابات العام 2005، وربما أكثر بكثير.
وهذا الأمر، يعرفه على ما يبدو قياديو تكتل التغيير والاصلاح، ولذلك يلاحظ وجود عملية مبرمجة لتسفيه مواقف الاعتراض والتحفظ والرفض التي أخذها الوزراء المسيحيون الخمسة، وتلقين الجمهور المسيحي المعزوفة التي نسمعها في هذه الايام، بأن هذه المواقف ليست سوى للاستثمار والابتزاز والتهويل ودغدغة المشاعر والهواجس لدى المسيحيين، في محاولة للتغطية على ما كانوا يطالبون به في السابق ويناضلون من اجله، وتخلّوا عنه من اجل مصالح شخصية وحسابات لا علاقة لها بمصلحة اللبنانيين والمسيحيين وفي هذا الصدد يؤكد رجل دين مسلم، ان التعاطف مع مسيحيي 14 آذار لن يقتصر على جمهورهم المسيحي العريض، بل ان جمهوراً كبيراً من المسلمين المتحفّظين على ما جرى ويجري سيكون الى جانبهم، وسيناضل، مثله مثل غيره، لمنع عزلهم او تهميشهم.
*****
من ضمن الهجمة على الوزراء المسيحيين المتحفّظين والمعارضين، وعلى احزابهم وقياداتهم، ما قاله أحد وزراء تكتل التغيير والاصلاح في لقاء تلفزيوني بالامس، بأن المآخذ على مواقف هؤلاء الوزراء ليست على المضمون بل في الشكل، لأن الوزراء ورفاقهم يستخدمون خطاباً متشنجاً تحريضياً عنيفاً، ولأن من الافضل ان يعتمدوا الحوار الهادىء والخطاب البارد التوفيقي، وفي هذا المجال يمكن تسجيل ملاحظتين تعكسان تخبّط التكتل ومأزقه في مواجهة الملاحظات التي عرضها الوزيران بطرس حرب وسليم الصايغ في لجنة صياغة البيان الوزاري، الاولى ان قادة التكتل يدركون بأن المسيحيين خصوصاً واكثرية اللبنانيين عموماً يريدون حصر كل سلاح في يد الدولة وحدها، ولكن تحالفاتهم ومصالحهم تفرض عليهم موقفاً مختلفاً، فلا يجدون غير خصومهم السياسيين، هدفاً يصوّبون عليه، معتقدين انهم في هذه الطريقة يعطلون عليهم الافادة من تراجعهم عن مواقفهم.
اما الملاحظة الثانية، فهي على ما يبدو «حق حصري» اعتاد على استخدامه قياديو التكتل ونوابه، بحيث يتنصلون عند الحشرة من اقوال ومواقف كانت لهم سابقاً، او يأخذون على غيرهم استخدامها واللجوء اليها، والا لما يأخذ وزير التكتل المحترم على خصومه انهم يتكلمون خطاباً شعبوياً عنيفاً وتحريضياً ـ وهو ليس كذلك ـ في حين ان خطابهم السابق، قبل ان يحل عليهم الروح القدس في هذه الحكومة، كان وما زال، وربما سيبقى، الخطاب الاتهامي التجريحي المسيء الى العديد من السياسيين والاعلاميين والقياديين ورجال الدين.
السلام والاستقرار والمحبة في المجتمع المسيحي، طريقها معروفة، يكفي لمن يريد أن يمشيها ان يتمتع بالاستقلالية والشجاعة والسلام الداخلي فحسب.