#adsense

هل يتفق الزعماء المسيحيون على السير في خط سياسي واحد ؟

حجم الخط

تبقى المصالحات وهمية وكاذبة ويظل كل شخص يتربص بالآخر
هل يتفق الزعماء المسيحيون على السير في خط سياسي واحد ؟

قال العماد ميشال عون إنه لا يصالح من هم في خط سياسي غير خطه، لكنه لا يعاديهم، بل يقوم بينهما تنافس.
والعماد عون على حق في كلامه هذا، لأن المصالحة اذا لم تبن على مبادئ وأهداف تظل مصالحة شخصية هشة. وما دامت فئة مسيحية هي في خط 8 آذار وفئة في خط 14 آذار، فلا مجال للتلاقي بين الخطين الا اذا صار اتفاق بين الزعماء المسيحيين على اعتماد خط ثالث يحفظ للبنان هويته وكيانه ويحافظ على سيادته واستقلاله وحريته. فاذا ما التقى المسيحيون حول هذا الخط فان فئة من المسلمين تنضم اليهم فيقوم عندئذ لبنان الجديد بجمهورية جديدة ونظام جديد ودستور جديد، ويصبح لبنان عندئذ دولة ولا يظل ساحة.

أما الخط الثالث الذي يمكن التحاور في شأنه بين الزعامات المسيحية ومن ثم مع الزعامات الاسلامية فيكمن في رأي أوساط سياسية في ان يتضمن الامور الآتية التي تطرح للبحث والمناقشة:

أولا: العودة الى اعتماد مبدأ "لا شرق ولا غرب" الذي دعا اليه "ميثاق 43" غير المكتوب لكنه مبدأ لم يحترمه أي من الاطراف اللبنانيين، فظل فريق "يشرّق" وفريق آخر "يغرّب". وكانت محاور مع الغرب ومحاور مع الشرق، وأدت المواجهة بين حلف بغداد و"التيار الناصري" الى جعل لبنان ساحة. كذلك انقسم اللبنانيون حاليا بين مؤيد للمحور السوري – الايراني ومناهض له، وقد بلغ هذا الانقسام حد التوتر والتشنج الخطرين بحيث عادت الساحة اللبنانية مفتوحة لصراعات المحاور ويدفع اللبنانيون ثمن ذلك خسائر بشرية ومادية من دون جدوى ولا طائل.

ثانيا: أن يعتمد لبنان سياسة الحياد الايجابي بصيغة شبيهة بالصيغ السويسرية النمسوية أو أي صيغة أخرى تلائم التركيبة اللبنانية الدقيقة وذلك بعد أن ينتهي الصراع العربي – الاسرائيلي والفلسطيني الاسرائيلي ويتحقق السلام الشامل او بعد انسحاب اسرائيل من بقية الاراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها ليصبح اتفاق الهدنة المعقود بين البلدين هو الذي يحكم العلاقات بينهما الى حين التوصل الى تحقيق سلام شامل في المنطقة.

أما اذا كان اعتماد سياسة الحياد الايجابي يثير جدلا وخلافا بين من يرى فيه حصانة للبنان ومن يرى فيه انعزالا له عن محيطه العربي، فيمكن الاتفاق في المرحلة الاولى على ان يكون لبنان مركزا لحوار الحضارات والاديان والثقافات، وهو ما دعا اليه الرئيس ميشال سليمان في المحافل العربية والدولية، غير مرة، ورحبت بهذه الدعوة دول عربية وأجنبية وفريق واسع من اللبنانيين، اذ من دون الاتفاق على حياد لبنان او على جعله مركزا للحوار، فانه سيظل ساحة مفتوحة للصراعات العربية والاقليمية والدولية وسيظل اللبنانيون منقسمين حول هذه الصراعات وبين المحاور.

ثالثا: أن يصير اتفاق على تحديد وظيفة سلاح "حزب الله" او سلاح المقاومة والجهة التي يخضع لإمرتها، ليكون سلاحا مسانداً فعلاً لسلاح الجيش والامن الداخلي في مواجهة أي اعتداء يقع على لبنان ولا سيما من اسرائيل، وأن تنتهي وظيفة سلاح المقاومة عندما تنسحب القوات الاسرائيلية من بقية الاراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها ويصبح اتفاق الهدنة هو الذي يحكم العلاقات بين لبنان واسرائيل وهو ما نص عليه اتفاق الطائف. أما اذا لم تنته وظيفة هذا السلاح إلا بعد ان يزول الخطر الاسرائيلي، وهو خطر لا يزول الا بعد تحقيق السلام الشامل في المنطقة، فان لبنان سيظل عندئذ ساحة مفتوحة للصراعات كونه الحلقة الاضعف بالمقارنة مع الساحات الاخرى، ويخشى عندئذ ان يتحول هذا السلاح الى الداخل كما حصل في 7 ايار، فضلا عن ان مجرد بقائه في يد فئة لبنانية من دون فئة أخرى، يشكل خللا في التوازنات الداخلية، اذ تستطيع الفئة المسلحة ساعة تشاء ان تفرض رأيها وقراراتها ومواقفها على الفئة غير المسلحة.

رابعا: معالجة أوضاع اللاجئين الفلسطينيين على أساس تحسينها من النواحي الانسانية والمعيشية والاجتماعية ورفض أي شكل من أشكال التوطين وذلك بالاتفاق مع الدول العربية، وفي اطار الجامعة على عدم توقيع اتفاق سلام مع اسرائيل الا بعد اقامة الدولة الفلسطينية وحل مشكلة اللاجئين وفقا للقرار 194، وان التوصل الى هذا الاتفاق يحول دون عقد اتفاقات منفردة مع اسرائيل كما حصل مع مصر والاردن قبل بت وضع اللاجئين الفلسطينيين، إذ يخشى ان يتكرر عقد هذه الاتفاقات ويبقى لبنان وحده يتحمل مسؤولية حل مشكلتهم ووضعه بين خيارين: إما القبول بتوطينهم كأمر واقع، وإما ان يبقى وحده في حالة حرب مع اسرائيل اذا اشترط لتوقيع السلام معها عودة هؤلاء اللاجئين الى ديارهم، وهي عودة تصبح مستحيلة تحت ضغط لبنان وحده، وهذا الموضوع المهم يحتاج الى معالجة عربية شاملة. فاذا تعذر ذلك لسبب من الاسباب، فينبغي ان تتم المعالجة بالتفاهم والتنسيق بين لبنان وسوريا بالامتناع عن توقيع اتفاق سلام مع اسرائيل ما لم يتم التوصل الى حل مشكلة اللاجئين في لبنان، لأنها قد تكون شبه محلولة في سوريا وفي الاردن وفي أكثر من دولة عربية تستضيفهم.

خامسا: تعديل دستور الطائف، وهو تعديل ينبغي أن يدرس من ناحية مصلحة لبنان أولا ومصلحة المسيحيين ثانيا. لأن البعض يبرر المطالبة بهذا التعديل بذريعة تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، فيما الحقيقة هي الحصول على توقيع للطائفة الشيعية الى جانب توقيع الرئيس الماروني والرئيس السني، وهو ما أشار اليه النائب وليد جنبلاط في أحد أحاديثه، ثم عاد وطرح فكرة المداورة في الرئاسات الثلاث بحيث لا تظل كل رئاسة حكرا على طائفة من دون أخرى، وهذه الفكرة كانت قد طرحتها جريدة "كيهان" الايرانية قبل سنتين في مقال صدر فيها وجاء فيه انه ينبغي اعطاء الطائفة الشيعية الصلاحيات التي توازي حجمها… وعندما قام "حكم الترويكا" بصورة غير رسمية في عهد الرئيس الياس الهراوي، وتعرض ذلك للانتقاد كونه يخالف أحكام الدستور، فان التعديل الذي يثار مجددا يرمي الى ان تكون الطائفة الشيعية شريكة فعليا في الحكم مع الطائفتين المارونية والسنية إما بإحداث منصب نائب رئيس الجمهورية للطائفة الشيعية، وإما بتشريع "حكم الترويكا"، وإما باعتماد المداورة التي اقترحها جنبلاط وسبقته اليها الصحيفة الايرانية، وإما بالعودة الى البحث في انشاء مجلس رئاسي كان النائب السابق مانويل يونس اول من اقترحه وأيده الرئيس سلام وغيره.

الى ذلك يخطئ من يظن ان تعديل الدستور يرمي الى تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، بل الى توضيح نصوص ملتبسة وسد ثغر فيه ظهرت بالممارسة وتحقيق مزيد من التوازن بين السلطات، وأقصى ما يستطيع المسيحيون الحصول عليه وهم في وضعهم المشرذم هو المحافظة على ما تبقى من الصلاحيات لرئيس الجمهورية، أما اذا تقرر اعتماد المداورة في الرئاسات الثلاث، فان الموارنة يكونون قد بدأوا يفقدون آخر أعلى منصب لهم في الدولة بعد ان فقدوا الصلاحيات الواسعة التي كانت لهم ومناصب اخرى. وعند الغاء الطائفية السياسية سوف يفقدون نهائيا هذا المنصب بسبب تبدل وضعهم الديموغرافي حتى عند الابقاء على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في توزيع الحصص فكيف اذا اعتمدت المثالثة وكانت حصة الموارنة الثلث وتوزع هذا الثلث مع استمرار وضعهم الحالي المشرذم بين زعامة هذا وذاك.

الواقع، أنه اذا كان المسيحيون، وتحديدا الموارنة، يريدون انقاذ لبنان كونه البلد الوحيد الذي يتطلعون اليه ويريدون أن تقوم فيه الدولة القوية التي لا دولة سواها، لا الى جانبها ولا وراءها أو امامها، لأن لا حماية لهم الا بوجودها، فما عليهم سوى التداعي لعقد اجتماع واسع لهم يناقشون فيه المواضيع المذكورة آنفا وغيرها من المواضيع، توصلا الى تحقيق وحدة الموقف منها وليس لتحقيق مصالحات وهمية او كاذبة ثم يبقى كل واحد منهم متربصا بالآخر ويده على سلاحه… وأيدي المسيحيين على قلوبهم…

المصدر:
النهار

خبر عاجل