#adsense

تحت جنح التهدئة

حجم الخط

تحت جنح التهدئة

لن يكون مبرراً أن ينشغل بال اللبنانيين بأي مناوشة قد تشهدها جلسات مجلس النواب خلال مناقشة البيان الوزاري. فهذه الحكومة الأولى في تاريخ لبنان التي يجب أن يحصى عدد حاجبي الثقة عنها، لا عدد مانحيها، فلكل كتلة نيابية من يمثلها في مقاعد الوزراء، وسيكون من باب النكتة السمجة أن ينتقد نائب البيان أو يعيب عليه نقصاً ما.

يزيد الاستحالة أنها حكومة بكر، لم تبنِ ماضيها بعد، ولم تخطّ الوقائع أي سطر على صفحات عمرها المجهول. وما دام لبنان مرآة لتسوية إقليمية فرضت هدوء النفوس واستكانة التناحر السياسي، فإن كل ما يستثير القلق ساقط سلفاً.

لقد رسم الخط الأزرق في العملية السياسية، ووضعت خطوط القسمة، وإذا كان البعض لا يَزال يتحدث بحرارة، فلأنه يسعى إلى ربط نزاع مع الحلول المفروضة، ولإيمانه بأن الظروف التي غيّرت عام 2005 ما استقر عليه لبنان منذ اتفاق الطائف عام 1989، ثم أطفأت، هذا العام، التناحر السياسي المتأجج مذ ذاك، ليست نهائية، وإن تكن مديدة العمر، حسبما يُراد.

لذا، لا تُخفي الابتسامات العريضة انتظارات الآتي على وقع المتغيرات البعيدة. ولا تماري الوحدة الوطنية ثبات كل طرف على ثوابته:
لم تُخفِ قوى 14 آذار استمرار اعتراضها على تأبيد سلاح "حزب الله"، فسجّلَ وزراء منها تحفظاتهم عن البند السادس، وسيتبعهم نواب على هذا النهج.

لن يقدّم هذا الأمر أو يُؤخر اليوم، لكنه رصيد للغد إذا ما تغيّر وجه المنطقة وحسمت بوصلة الأحوال اتجاهها.
في المقابل لا يخفي "حزب الله" سعيه إلى تسجيل نقاط للمستقبل: أصرّ على نص يجعل من "المقاومة" واحداً من ثلاثة مكونات، إلى جانب جيش لبنان وشعبه، يحمل مجموعها اسم لبنان، ويلغي عملياً دور الدولة، وذكرها، وهي الشخصية المعنوية التي تمثل الأرض والشعب والسماء والمصالح و… و… بلا تمييز.

لا يستوي ذلك من دون إجماع، ولأن الأخير مفقود في الحاضر، فلا بأس في أن يسجل للآتي من الأيام. كيف؟ يُجس النبض في صدد شطب أي تناول لـ"حزب الله" أو "المقاومة" من محضر جلسات مجلس النواب. وفي المستقبل، لن يطلع أي قارئ لوقائع مناقشة البيان الوزاري على أي تحفظ، بما يتيح القول إن الأمر كان، في ماضي الأيام الآتية، موضع إجماع.

أخطر ما في هذا التأسيس للتناحر المستقبلي، ليس في ما سبق، بل في ما تحمله أدبيات الحزب نفسه، وحلفائه، في الرد على نقاش بند السلاح في البيان الوزاري.

فتصريحات النواب والمتحدثين تصر على تصوير الاختلاف أنه بين وجهتي نظر: أولى تريد مواجهة اسرائيل، يمثلها الحزب ورهطه من أهل 8 آذار و7 أيار، وثانية تريد الاستسلام للاطماع الاسرائيلية والسكوت عنها وحتى القبول بها.
يُرفق هذا الكلام بمواقف قطعية تملي على الرأي العام أن السلاح غير مطروح على طاولة الحوار، بل إن هذه مكرّسة لنقاش الاستراتيجية الدفاعية. والترجمة أن على الطاولة الشهيرة أن تناقش دور الجيش وعمله، وربما دور الشعب ومهمته، وليس "المقاومة" وسلاحها.

بين تهمة القبول بالأطماع الاسرائيلية، وتمرين الرأي العام على إخراج سلاح "حزب الله" من التداول السياسي، سعي حثيث وبطيء في آن واحد، لنقل النقاش إلى مكان آخر، بأحكام قطعية حدّاها تهمة التفريط بالوطن والخيانة، والتعدي على إجماع مزعوم يفضحه شطب عبارات من محاضر مجلس النواب، وتكريس عناوين في الوعي اليومي اللبناني.

تحت جنح التهدئة يرسم الحزب قواعد ما بعدها، قرب أم بعُد، ولا تملك 14 آذار سوى الثبات على الحوار، وفي البند المعلق كما سماه جدول أعمال مدير الحوار الأساسي رئيس مجلس النواب: سلاح "حزب الله".

المصدر:
النهار

خبر عاجل