يوم إيراني
عينكم على طهران، يقول التصعيد اللافت في التظاهرات الطالبيَّة الاحتجاجيَّة، وانتقال هدير الغضب من الشوارع الى احرام الجامعات الكبرى احتجاجاً على السلطة والنظام برمَّته، والتماساً لبعض الحريَّة ولشيء من الديموقراطيَّة واخواتها.
لا شكَّ في ان التطوٌّرات الايرانية تعني المنطقة والعالم. وبدرجة عالية. إلاّ أنها تعني لبنان أيضاً. وبصورة خاصة. ومباشرة. ولأسباب واضحة وصريحة ومسلَّحة، ولا تحتاج الى شرح يطول.
ولهذا قيل عن يوم الطالب في طهران انه يوم إيران.
انما هذا لا يجيز القول إن الاهتمام بأحداث ايران يشكلٍّ نوعا من التدخُّل في شؤونها… مع انها لم تقصٍّر يوماً في مجال التدخُّل في شؤون سواها، وفي أكثر من مكان وموقع ودولة.
ولبنان واحد من هذه المواقع والأمكنة. والأكثر تأثراً وتضرراً ربما.
ثم ليس خافياً، وليس سراً ان للنظام الايراني الحالي امتدادات قويَّة وفاعلة داخل الوضع اللبناني. وعلى أكثر من صعيد.
وحتى داخل الدولة والمؤسسات، بلوغا للأحزاب السياسيَّة والتكتلات النيابيّة. وعلى المكشوف.
ومَنْ يدري، فقد يكون ذلك كلّه بدافع من حنين الى ماض سحيق، والى يوم كانت الامبراطوريَّة الفارسيَّة لا تهدأ ولا تدع المنطقة تهدأ.
إذاً، من حق لبنان متابعة الحدث الايراني، من باب العلم والخبر على الأقل. إن لم يكن على سبيل استشراف ما ينتظر المنطقة التي يُعتبر الوطن الصغير ساحتها ومسرحها ومنبرها.
وما من موجب لتكرار وتأكيد ان لا رغبة للبنان في التدخّل ولا قدرة له عليه حيث يشكو هو من التدخل. ولا من عاداته. ولا من تقاليده.
فكل همّه أن يُبعد عنه شبح التدخّل والمتدخّلين. ليس إلاّ، وليس اكثر.
صحيح ان اللبنانيّين معجوقون هذه الأيام بورشة البيان الوزاري، وجلسات الثقة، ووفرة طالبي الكلام من النواب، إلا أنهم يعرفون أن لا خوف ولا قلق على حكومة الرئيس سعد الحريري من الغرق في بحر الكلمات والتحفّظات والاعتراضات "المبدئيّة"، التي يحرص بعض النواب على تسجيلها للتاريخ والجغرافيا … والناخبين.
فالكلام في هذا المجال سيبقى كلاماً لا يقدّم ولا يؤخر ولا يغيّر، وتالياً لن يضيف أو يحذف حرفاً مما تمَّ عليه الاتفاق بعد جلسات ومناقشات ومسوَّدات بلغت التسع، وبلغت الفاصلة والنقطة.
استناداً الى هذه البديهيّات، يستطيع المواطن اللبناني أن يسلّم أمر الحكومة الى ثقة ستكون نموذجيَّة، وينصرف باهتمامه الى متابعة ما يحصل في ايران من زاوية محض لبنانيَّة.
مع الاشارة الى ان التطورات هناك لم تبدأ أمس ومن داخل الجامعات وخارجها.
ولن تنتهي غداً في الشوارع والساحات. ذلك أنَّ النظام الايراني نجح الى حد بعيد في جعل ثلاثة أرباع الكرة الأرضيَّة تتأثر بجموح حركته، سواء من حيث مد اليد على الأنظمة الأخرى، أو من حيث الطموح النووي الذي يخض الدول الكبرى والصغرى معاً.
قد يكون من المفيد تذكير طهران بالمثل القائل: يطعمك الحج والناس راجعة.