#adsense

المحكمة في معادلة “التوازن”

حجم الخط

المحكمة في معادلة "التوازن"

على افتراض ان تكون قضية الاستنابات القضائية السورية التي اثيرت اخيرا قد اطلقت في الفضاء اللبناني بطريقة الرسائل السياسية الخاطفة بما يتيح للمرسل توظيفها ثم نزعها وطيّها، فان المغزى الذي يعتد بجديته في هذا الملف لا يتصل بقضية فرعية بل بالملف الام نفسه اي المحكمة الخاصة بلبنان.

ليس خافيا على احد ان زيارة المدعي العام الدولي دانيال بلمار لبيروت و"اقامته" فيها اسبوعا جوالا على جميع المسؤولين والمعنيين بترجمة التزامات الدولة اللبنانية حيال المحكمة، جاءت لتبرز الوجه الآخر من المعادلة اللبنانية الذي كاد يغيب بالكامل في الفترة الفاصلة ما بين الانتخابات النيابية وتأليف الحكومة وانجاز بيانها الوزاري. حلّ بلمار في العاصمة اللبنانية "زائرا استثنائيا فوق العادة" هذه المرة، ولو بصفته القضائية الدولية "غير المسيّسة" على الاطلاق من زاوية الامم المتحدة والمجتمع الدولي الذي لا يمكنه التخلي عن قرار دولي فريد تباهي به الاسرة الدولية التي انشئت بموجبه اول محكمة خاصة دولية معنية بالارهاب السياسي. لكن هذه الزيارة اثارت في امكنة مختلفة ايحاءات شديدة الالتباس والتوجس.

تبعا لذلك لم يكن غريبا ان تسود هذه الامكنة نظرة مفرطة في شبهة التسييس الى زيارة بلمار من منطلق اعتبارها اعادة تذكير مزعجة جدا بان الوضع اللبناني يخضع لتوازن من نوع آخر، غير التوازن المحلي والاقليمي الذي استولد "حكومة الوحدة الوطنية". في هذه الامكنة، اعتبر "الحضور" الاستثنائي لبلمار بمثابة استحضار للقرارات الدولية ووضعها بكل ثقلها على طاولة المشهد الجديد لئلا يخطئ احدهم قراءة وجهة البوصلة فيذهب في اتجاهات آحادية.

إذاً هو الصراع المفتوح والمستمر نحو وجهة غامضة لا يمكن التكهن والتسرع وارتكاب الاخطاء في محاولة حسمها مبكرا. وكان يمكن الزيارة ان تثير هذا الاضطراب المكبوت والمنفعل من دون اي مناسبة خاصة. فكيف والحال ان الزيارة حصلت على مشارف ثلاثة استحقاقات هي نشوء سلطة حكومية ائتلافية جديدة، واستعدادات لتطور غير مسبوق يتمثل بزيارة الرئيس سعد الحريري لدمشق، ووصول العد العكسي لانطلاقة المحكمة الى نهايته؟

بذلك تتضح معادلة اخرى لا يمكن أي طرف داخلي او خارجي طمسها او ابعادها او تحويرها، وهي ان القرارات الدولية ذات الصلة بالوضع اللبناني غير قابلة للتصرف ولا يمكن اخضاعها لتسويات "بانورامية" ذات محتوى لبناني – عربي – اقليمي.
وان حصلت محاولات كهذه فانها تشكل مغامرات شديدة الخطورة ومن شأنها ان ترتب اثمانا عالية الكلفة. والدليل على ذلك ان التسوية السياسية مرّرت بند المحكمة الخاصة بلبنان في البيان الوزاري على قاعدة الفصل بين المحكمة وتطبيع العلاقات مع سوريا. لكن الواقع السياسي يثبت ان لا "الاتهام السياسي" لسوريا قد جرى طيّه فعلا، ولا اتهام المحكمة بالتسييس ألحق بهذه التسوية. ولا اوهام لدى اي طرف، وفي مقدمهم سوريا والحريري، ان زيارة رئيس الحكومة لدمشق ستكفل نهاية سعيدة لملف المحكمة.

مثل هذا الامر ينطبق على محاولات بذلت لـ"إلغاء" القرار الدولي 1559 لمجرد تغييبه عن البيان الوزاري. لكن التسوية عجزت عن ذلك لان لبنان يعيش في كنف هذا القرار فعليا مع "ابنه البار" القرار 1701. إذاً المحكمة هي صنو "اليونيفيل" تماما، فكلاهما الابن الشرعي الدولي لقرار اصدره مجلس الامن وينفذه او يستكمل تنفيذه. وهنا الوجه الآخر للمعادلة الدولية تماما التي تلاصق المعادلة الاقليمية – الداخلية، وعبثا محاولة تغليب وجه على آخر.

المصدر:
النهار

خبر عاجل