#adsense

مقاربة البيان الوزاري لقضية المعتقلين في سوريا تكرّس الملف وطنياً خالصاً وتفتح إمكانات الحل

حجم الخط

مقاربة البيان الوزاري لقضية المعتقلين في سوريا
تكرّس الملف وطنياً خالصاً وتفتح إمكانات الحل

تلبي مقاربة البيان الوزاري لملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية مطالب اساسية لدى لجان اهالي المعتقلين كما مؤسسات حقوق الانسان المحلية والعالمية، وتكرس الرغبة في العمل على التعامل مع ملف المفقودين في الحرب اللبنانية بما ينقي الذاكرة "تعزيزاً للمصالحة واحتراماً لحق ذويهم في المعرفة"، وانتهاء بالنظر في انشاء هيئة وطنية تعنى بقضية ضحايا الاختفاء القسري من كل جوانبها، ليخلص البيان الى تعهد الحكومة العمل على الانضمام الى معاهدة حماية الاشخاص من الاختفاء القسري التي اقرتها الامم المتحدة.

وما ورد في البيان يكتسب أهمية مضاعفة لا بل مميزة، فهو يكرس ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية قضية وطنية بإمتياز تعني كل اللبنانيين بكل تشكيلاتهم الممثلة في حكومة الائتلاف الوطني، وذلك بعد أعوام طويلة حرّم فيها الكلام في هذا الملف او عنه وفيه او اي اشارة اليه، سواء في مجلس النواب او المؤسسات الحكومية وغيرها. ويتذكر اللبنانيون جيداً كيف تسمّر النواب في القاعة العامة للمجلس وخيّم الطير على رؤوسهم وهم يستمعون الى النائب الراحل الدكتور البر مخيبر يطالب السلطات اللبنانية والسورية بالعمل على حل قضية المعتقلين في سوريا، مسجلاً بذلك انه كان اول من تجرأ على طرح هذا الملف تحت قبة البرلمان. ويسجل للبيان الوزاري الحالي انه لم يتخلف عن اللحاق بركب البيانات الوزارية السابقة لحكومات الرئيس فؤاد السنيورة التي، لم تنصرف الى التعامل مع ملف المعتقلين بجدية وعمق كبيرين بما يتيح حل هذا الملف، لأسباب عدة محلية وخارجية وفي مقدمها الرفض السوري الرسمي للتعاون في هذه المسألة بذريعة النفي المتواصل والتقليدي لوجود اي معتقل لبناني في سوريا.

ويأخذ ناشطو حقوق الانسان على حكومات الرئيس السنيورة انها ترددت كثيراً في رفع الملف الى الامم المتحدة، او ربما الى محكمة الجنايات الخاصة او الهيئات الدولية المعنية بحالات الاختفاء القسرية المشابهة لملف المعتقلين، في حين يرى البعض ان جهد الحكومات المتعاقبة منذ آذار 2005 انصب على ملف المحكمة الدولية الخاصة بلبنان للنظر في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكل الجرائم التي تلت، في حين يذهب آخرون الى ان ثمة ملفات ساخنة جرى طمسها والتعامل معها بلامبالاة لاعتبارات سياسية ومنعاً لتأجيج التوتر الذي كان قائماً في العلاقات السورية – اللبنانية.

غير أن كل هذه المقاربات لا تنفي حجم الفارق الكبير في التعامل مع ملف المعتقلين بين حكومات ما قبل 2005 وما بعدها. فثمة لجنة لبنانية – سورية قضائية مشتركة تعمل على هذا الملف وهناك الكثير من الامور التي تم التعامل معها بموضوعية، وخصوصاً لجهة التحقيق الشامل الذي قامت به الاجهزة الامنية والعدلية اللبنانية في الادعاءات السورية عن لائحة مفقودين سوريين في لبنان، حيث تذكر اوساط قريبة من الجانب اللبناني في اللجنة المشتركة ان هذا الملف قد اقفل تماماً بعد تقديم ايضاحات الى الجانب السوري تضمنت تقارير شاملة ومتكاملة ووثائق تشرح ظروف الغالبية الساحقة من حالات اختفاء سوريين في لبنان.

والنقطة الثانية المهمة في بند البيان الخاص بالمعتقلين الاشارة الى "كشف مصير المفقودين واستعادة جثامين المتوفين"، وهذه الملاحظة تستجيب على نحو رئيسي لمطالب قسم من الاهالي ومؤسسات حقوق الانسان الذين يعتبرون ان وفاة المعتقل سواء أكانت طبيعية أم لا، ينبغي ألا تكون مدخلاً الى نفي وجوده أساسا بل يقتضي التعامل مع هذه الحالة بكل موضوعية وتسليم الجثث الى الاهالي. تماماً كما جرى في ملف مقبرة وزارة الدفاع التي اسقطت الكثير من الاسماء عن لائحة المعتقلين بعدما تبين استشهادهم في لبنان خلال المعارك او بعدها كما جرى مع عدد من الشهداء. ومن الواضح ان مطلب "استعادة جثامين المتوفين" يحمل معه محاذير قد تخشاها السلطات السورية التي قد ترى في هذا الامر مدخلاً الى مطالبة قضائية وقانونية لاحقة للبحث في اسباب الوفاة وما اذا كانت طبيعية ام تحت التعذيب ونتيجة سوء المعاملة اضافة الى تأكيد وجود معتقلين جرى نفي وجودهم تكراراً ومرات عدة، علما ان الاحداث السابقة في هذا الملف لا تبشر بالخير بدءاً من قضية عادل عجوري الذي قضى في السجون السورية وانتهاءً بقضية عامر عاد ساطي الذي اعيدت جثته الى بلدته كامد اللوز في البقاع الغربي في تشرين الثاني الماضي وجرى لفلفة القضية.

لكن أهم ما في البيان الوزاري هو الفصل المحكم بين ملفي المعتقلين في سوريا وقضية المفقودين او المخفيين قسراً خلال الحرب اللبنانية، بعد الخلط المتعمد الذي اعتراها لاهداف سياسية ضيقة. واستعمل نص البيان مدخلاً الى هذا الموضوع الاشارة الى العمل على انضمام لبنان الى معاهدة حماية الاشخاص من الاختفاء القسري التي أقرتها الامم المتحدة. ويستجيب البيان بذلك ايضاً لمطالب لجان الاهل ومؤسسات حقوق الانسان في اطار مقتضيات الوفاق الداخلي وعدم اثارة الحزازات والنعرات، اضافة الى احترام "حق ذويهم في المعرفة"، على ما ورد في النص.

يبقى ان الكلام على السعي الى اعتماد "الوسائل السياسية والقانونية، بما فيها وضع اتفاق لبناني – سوري في هذا الشأن" يمثل خطوة متقدمة اخرى تستظل خطاب القسم الرئاسي الذي تناول موضوع المعتقلين في سوريا، ويمكن تالياً البناء على هذا الموقف وانتظار موقف الحكومة مستقبلاً في انتظار خطوات عملية بعد زيارة الرئيس سعد الحريري المرتقبة الى العاصمة السورية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل