بين الوسطية والانهزامية
المحامي جورج ابو صعب
ما من لبناني اصيل الا واثبت عبر التاريخ بانه كان رجل حوار وانفتاح وتلاق مع اخيه اللبناني الاخر، وما من لبناني اصيل الا ويقر لاخيه اللبناني الاخر بحق الوجود وبشراكته في الوطن. فالانفتاح وتقبل الاخر سبقا بكثير ما يعتبر اليوم وسطية منذ فينيقيا القديمة وصولا الى عهد الاستقلال عام 1943.
فالمشكلة براينا لم تكن يوما مشكلة انفتاح وتقبل للاخر بقدر ما كانت مشكلة تكاذب وكذب جماعي متبادل بين اللبنانيين. وقد بني لبنان السياسي الحديث على فكرة لا للشرق ولا للغرب وعلى فكرة ان لبنان عربي الانتماء والهوية وصديق الغرب وملتقى الحضارات وهمزة الوصل كما وانه ملتزم المواثيق والمعاهدات العربية والدولية وتلك المتعلقة بمنظمات مثل عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الاسلامي وسواها، ولكن لم يكن ذلك كافيا.
لن نذكر بدروس التاريخ ولكن ما نبتغيه في مقالتنا هذه ان نقول الحقائق لا بل الحقيقة كما هي وبقلب مفتوح وبصراحة: ان اباء الاستقلال اعطونا صيغة سياسية فريدة عبرت في مرحلة ما عن قنعاعتهم ورؤيتهم للبنان قوي سيد ومستقل. لكن المشكلة ان هذه الرؤية افسدها الابناء من بعدهم ولم يعملوا على تطويرها ولا على تنميتها وتقويتها. بل سقطوا في شرك المؤامرات الخارجية القريبة والبعيدة، التي ادت الى ما ادت اليه من دخول لبنان اتون الصراعات الدموية والمسلحة من خلال سلسلة صراعات وحروب بالواسطة اسقطت كافة المفاهيم التي بنى عليها اباؤنا استقلال الوطن، طامحين يومها ان نصل الى يوم يصبح في لبنان أمة واحدة وشعبا واحدا وثقافة لبنانية واحدة تكون عصارة تعدديته الطائفية والحضارية والمذهبية. ولكن ما حصل ان الابناء خانوا الامانة وتلاعبوا بها، وبدل تطوير النظام اسقطوه مع الوقت وتحت وطأة التجارب المهلكة فعدنا اليوم وفي هذه الاثناء بالذات الى السؤال الكبير الذي كان من المفترض ان يكون قد حسم منذ الاستقلال او منذ مؤتمرات لوزان وجنيف او منذ مؤتمر الطائف التي تحولت وثيقته الى دستور الجمهورية الحالية., فماذا فعلت ايدينا؟
اننا عدنا الى نقطة البداية، نقطة اي لبنان نريد وبعد اكثر من ثمانين عاما سقط الحلم اللبناني السياسي تحت وطأة صدق دفين لدى كل فريق مع نفسه غلفه عبر السنوات بكذب ظاهر: هذا الكذب هو الذي نخشى ان يعود اليوم ليتحكم بمفاصل الساحة السياسية: اما الصدام واما التكاذب مجددا بباطنية اهل الكهف.
لا نعتقد ان من ينادي اليوم بالوسطية ومع كل الاحترام والتقدير لاي كان، انما يصدق القول، بل ينادي بها اما بدافع الخوف واما بدافع تقطيع الوقت وتمرير المراحل.
لا نعتقد ان من يقول عن نفسه انه وسطي، ومع الاحترام والتقدير لكل اصحاب هذه النظرية – يقصدون ما يقولون – بل يجهرون بوسطية هي في الحقيقة القناع التكاذبي الجديد الذي يحاول كما النعامة، طمر رأسه في الرمل ليظن بانه غائب عن الحقيقة وان الحقيقة حادت عنه فخلصته.
لا نعتقد ان من ينفتح اليوم بالظاهر والتصاريح، مع الاحترام والتقدير لاي كان، انما يفعله لانه مقتنع بصدق انفتاحه. بل يفعلها البعض على طريقة المثال اللبناني القائل ان "اليد التي لا تستطيع كسرها بوسها وادعي لها بالكسر". وهذا تكاذب لا بل عين التكاذب السياسي.
في السبعينات عندما اطلق المرحومين الشيخ بيار الجميل (مؤسس ورئيس حزب الكتائب) والزعيم اللبناني صائب سلام مقولة "التفهم والتفاهم" في حواراتهم الوطنية التي حفرت في ذاكرة من يتابع ويدرس تاريخ لبنان السياسي، التقى الكثيرون ممن استخفوا بهذه المقولة واخذوها على غير محمل الجد. لكن اليوم نرى ان هذين العملاقين التاريخيين كانا يعلمان تمام العلم بصدقهما وصراحتمها المعهودة، ان اللبنانيين مهددون بالاستمرار بالتكاذب ولذا شعرا بالحاجة الى الصدق والصراحة والتفهم لصيلا الى التفاهم الصلب والدائم الذي يبني اجيالا تتصارح لا اجيالا تتخابث وتتحين فرص الانقضاض والظفر.
ان قصة لبنان السياسية مع بعض سياسييه اليوم كقصة اسباط اسرائيل الاثني عشر، اولاد النبي يعقوب عليه السلام، وفعلتهم باخيهم الاصغر النبي يوسف عليه السلام عندما باعوه للاسماعيليين. وقد اوهموا اباهم النبي يعقوب عليه السلام بانهم يأخذون اخوهم الصغير يوسف في نزهة بينما كانت مكيدتهم اعظم واكبر وقد عذبوه في الصحراء بعيدا عن عيون الاب الحنون والعطوف وانتهى بهم الامر ان باعوه لقافلة تجار متجهة الى ارض مصر القديمة الفرعونية.
ففي الظاهر بينوا لاباهم كل محبة وتودد ليوسف الشقيق الاصغر، وكانوا اشقاء من اب واحد واصل واحد ودم واحد، ومع ذلك عندما تفردوا بالشقيق الاصغر الذين غاروا منه، فتكوا به فتكا مبينا وكان ما كان.
هكذا بالتمام يفعل اللبنانيون اليوم ببعضهم سياسيا: فهم وتجاه الناس والاعلام والرأي العام لا ينوون شرا لبعضهم ولكنهم في طروحاتهم ومواقفهم لا يظهرون سوى الانانية والبغض والفئوية. ومع ذلك يتكلم البعض عن وحدة وطنية، تذكرنا بمصطلحات الحرب وكم من حكومة "وحدة وطنية" تألفت وكم من فشل بعد فشل منيت بها تلك الحكومات ليتبين ان كل وحدة وطنية مدعاة كانت مرحلة تمهيدية لانفجار اكبر واعنف واشرس واكلف على لبنان واللبنانيين. وكله بسبب ان ما من احد اراد ان يسمع حقيقة ما تضمره نفسه وما تصبو اليه غاياته.
فاليوم يراد لدى البعض ان تتكرر حفلة الكذب والتكاذب والابتسام امام الكاميرات لامر جاء من خارج او داخل او لتنفيسة سياسية محلية بانتظار الاستحقاقات الاقليمية والدولية الضاغطة مع بداية السنة الجديدة، انطلاقا من حتمية يقر بها فريق لبناني بدون وجل او اسف الا وهي حتمية ارتباط لبنان بالخارج حيث لا مانع لدى هذا البعض من مثل هذا الربط والارتباط ولو على حساب لبنان واللبنانيين وما يريده قسم اخر من اللبنانيين. وتصدر الوثائق السياسية وطروحات الغاء الطائفية وسواها من طروحات تنادي بالخير ولكن يراد منها باطل. اذ لو كان المنادي بالغاء الطائفية السياسية جديا لباشر بنفسه، ولو كان المنادي بتطبيق الطائف جديا لما قبل الوصول الى اتفاق الدوحة وشارك بارادته وتصميمه في شل الدولة والمؤسسات والنظام.
فالحقيقة ان من ينادي اليوم بالانفتاح لا يفعله بارادته بل بارادة الامر الواقع، وهو لا يتوانى بين الحين والاخر في الاعتراف بذلك مباشرة او بواسطة الاخرين.
ومن ينادي بالوسطية انما ينادي بالانحياز الى شيء لا يعلم من اين وكيف يبدأ به، ولا ما هو لونه وما هي نكهته. فيقبل بشهر وسطية غير موجودة، لان الوسطية الحقيقية تفترض مناعة وطنية حقيقية تنظر الى ما يريده كل اللبنانيين لا فريق على حساب اخر – بينما في
الواقع من ينادي بالوسطية نهجا اليوم كمن يلتقط مسطرة ليقيس مواقفه على ما يوفق بين الاضداد ولو على حساب موقفه هو وحقيقة موقفه.
فالوسطية لا تعني الخضوع لوجهة نظر على حساب اخرى.
والوسطية لا تعني اعتماد مطالب فريق دون الاخر.
والوسطية لا تعني التنكر لماض وحاضر رسمت معالمهما بالدم والشهادة والمواقف المعلنة للتاريخ.
والوسطية لا تعني الخوف من الاخر ولا التوجس من اي اعتبار يناقض الثوابت والقناعات الراسخة في فكر وممارسة اهل السياسة.
والوسطية لا تعني ان لا يكون للمرء رأي حيثما يجب ان يكون له الرأي وان يكون للمرء رأي حيث لا يجب وفي كلتا الحالتين ان يكون الرأي مسموعا وفاعلا.
والوسطية لا تعني ان لا يكون للمرء رأي ويفضل المساومة و"تبييض الصحون والطناجر" على قول الحق والحقيقة.
والوسطية لا تعني ان يكون المرء بلا قرار – وبلا لون – وبلا دور.
والوسطية لا تعني ان يتحول المرء الى مبشر طوباوي لا هم له سوى ان يبقى حائزا على رضى ومحبة الاخرين – لا بل بعض الاخرين .
والوسطية لا تعني ان نخرج من نقد ذاتي عن ماض خاطئ لنعود الى اعتماد هذا الماضي الخاطئ رغم اقرار المرء بعدم استعداده العودة اليه.
والوسطية ليست ان يتحول المرء الى حمامة سلام تائهة لا تدري ماذا تقول فتفضل السكوت احيانا والا الرقص على الكلمات والعبارات احيانا اخرى.
والوسطية لا تعني ان نقف مع الواقف ولو على حساب مصداقية الموقف واصالة الحقيقة الوطنية.
والوسطية لا تعني التنازل والتراجع والتناسي والقفز فوق التاريخ والحاضر، كما لا تعني التنكر للذات وللاخرين، ولا تكرار حفلات الجلد الذاتي والاعترافات بالاخطاء وكأن السيرة السياسية كلها أخطاء تصحح باخرى.
فالوسطية في حقيقة الموقف هي انحياز: انحياز الى خط من خطين او ثلاثة. لان الوسطية لتنجح في لبنان تتطلب ان يكون من ينادي بها ويعتمدها بانيا مواقفه على التجرد والزهد بالمكاسب وبالحقوق وبالخصوصيات. وهذا امر مستحيل ان نراه مع الجيل الحالي من السياسيين في غالبتهم العظمى.
لذلك نرى ان فشل الابناء في تطوير الصيغة – الوديعة التي سلمت اليهم من اباء الاستقلال، وتحويل الوديعة نفسها الى مشكلة عاصية ومستعصية بتحولها الى كرة نار يتقاذفها الابناء في ساحات المبارزة، هو ما يجعلنا اليوم نشعر باننا عشية حفلة تكاذب وكذب جديد تؤجل المصارحات والحقائق وساعة مواجهتها الى أجل غير مسمى جديد. اللهم الا اذا اثبت بعضهم جرأة استثنائية في مقارعتها بلا خوف ولا حسابات. من هنا تحيتنا الكبيرة لصراحة وشفافية مواقف القوات اللبنانية وحزب الكتائب، واركان تيارات ثورة الارز الشعبية المتحلقين على طاولة الامانة العامة. لان بامثالهم يبقى في لبنان امل كبير باداء ملؤه الكرامة والصدق والجرأة وخاصة الثبات – لا التشبث – والمفاوضة لا المساومة – وقول الحقيقة لا الكذب والتكاذب، ولو غضب البعض الاخر او استفز او استنفر لبعض الوقت الا انه سرعان ما يدرك ان من صارحه كان صادقا، فيما من حالفه وقاربه من هذا البعض من ممتهني "طقطقة الرقبة " كان ابليسا خفيا.
فالفرق بين الوسطية والانهزامية … كالفرق بين الحاكم والعبد … وفي كلتا الحالتين لا يتناسقان ولا يستنسخان …