صنع في سوريا؟!
تقول رواية مشهورة ان لبنانياً جاء الى مركز امن زمن الوصاية والإحتلال ليدّعي على عامل سوري بتهمة سرقة ساعته، وعندما مثل امام ضابط المخابرات السورية خاف وتلعثم من النبرة التهديدية التي واجهه بها الرجل، وعندما سأله عن ما اصابه ؟ قال إن عامل سويسري سرق له ساعته السورية الصنع ! (المعروف ان الشقيقة لا تنتج ساعات) .
والذي استمع الى اللواء السيّد في حديثه عن الإستنابات القضائية إعتقد للوهلة الأولى ان الرجل يتحدّث عن القضاء السويسري المحايد والشفاف، في كلامه عن إستحاله سحبها الا في حالة تراجعه شخصياً عن الدعوى ! او نقلها الى المحكمة الدولية في حال إستعادة هذه الأخيرة صلاحياتها بمحاكمة شهود الزور وشراكائهم اللبنانيين والآجانب الذين ادعى عليهم في دمشق ؟ !
وبعيداً عن الإدعاءات التي تحاول إلباس الإستنابات المذكورة ثوباً قضائياً خالصاً ؟ فإن اسباب سياسية (صنعت في سوريا) هي ما دفع الى صدورها في هذا الوقت بالذات، وهي موضوع تشريح راهناً في وسائل الإعلام وعند المحللين وصولاً الى كشف الخلفيات التي شدت في هذا الإتجاه بشكل مفاجئ وصاعق وبعد مرور اشهر طويلة على إطلاق الضبّاط الأربعة في الظروف التي يعرفها الجميع ولا حاجة الى التكرار فيها وفي اسبابها ؟
ومن الأسباب الموجبة للإستنابات يمكن للمحلل ان يقرأ الآتي :
1 ـ إن الحركة السورية القضائية (غير القانونية في الشكل) اتت عشية ما بات مؤكداً من ان رئيس الحكومة اللبنانية سيقوم بزيارة الى سوريا بصفته الدستورية، وان الزيارة المذكورة تأتي على قاعدة عدم إرتباطها بالشكل او بالمضمون بكلّ ما جرى خلال الآعوام الخمسة الماضية .
2 ـ اتت الإستنابات متزامنة مع تأكيدات اركان المستقبل ان الزيارة الى دمشق ستكون من ضمن جولة عربية ودولية واسعة، وان العاصمة السورية قد لا تكون المحطة الأولى في الجولة المذكورة .
3 ـ وفي التأكيدات ايضاً عن برنامج الزيارة يمكن الملاحظة ان الملفات العالقة بين البلدين ستكون محورها الأساس، بالإضافة الى ما فرضت سوريا على لبنان القبول به زمن وصايتها، وهو ما يستوجب إعادة البحث فيه، اما وصولاً الى التوازن والمساواة، وإمّا الى الإلغاء والشطب .
4 ـ التزامن بين الإستنابات ووجود دانيال بلمار في بيروت وإمكان ان تكون رسالة سورية الى المحكمة الدولية يظهر مرادها في القراءة المتأنية لما بين السطور فيها ؟
5 ـ بدأ بعض الإعلام السوري (في لبنان) التصويب على زيارة الرئيس ميشال سليمان الى الولايات المتحدة الأميركية تحت عنوان انها ستكون " خطوة الى الوراء مع دمشق !" والرد عليها بفتح الباب السوري امام زيارة العماد ميشال عون (تتم اليوم) والتي كانت الشقيقة قد اخرّتها بعد تحفّظ الرئيسين سليمان والحريري على ان تجري قبل زيارة رئيس الحكومة اللبنانية ؟
وهذه الأسباب مجتمعة، إضافة الى عدم الوصول الى تفكيك الإصطفافات السياسية في لبنان وعدم القدرة على تذويبها وإعادة التموضع بما يمهّد للعودة الى ما قبل 14-3-2005 لأسباب تتساوى في الأهمية بين الرغبة الشعبية العارمة في داخل لبنان، وإصرار المجتمعين العربي والدولي على إستمرار مسيرة 14 آذار ومتابعتها السعي لتحقيق الأهداف الوطنية هي في اوّل الدوافع واهمّها بإتجاه صدور الإستنابات السورية … وما يبدو من خيبة امل شقيقة في الزيارة الموعودة وما يمكن ان ينتج عنها في العلاقات بين البلدين الجارين ؟
ويبقى امرين بالغي الأهمية في السياق عينه، الأول ان دمشق لا تعلّق اهمية على إتمام الزيارة على نحو ما يحدث في كلّ الزيارات التي يقوم بها رؤساء الحكومات على قاعدة الندّية ؟ والثاني انّ المحكمة الدولية كانت وما زالت في اوّل الإهتمامات السورية، ويبدو انها خارج ايّ إتفاق انجزته دمشق مع فرنسا واوروبا في عملية إعادة التواصل معها وعودتها الى التفاعل والتعايش في المنطقة إقليمياً، ومع دول القرار على مستوى العالم ؟ .