حين يتخصّص صحافي في فن تزوير الحقائق ليروي حقده الدفين…
حين تصبح الغاية تبرّر كل الوسائل تسقط كل القيم وتختفي المعايير الأخلاقية الواجب الحفاظ عليها في حال وجود رغبة فعلية في قيام دولة ومؤسسات.
وحين تصبح الغاية لدى كاتب المقالات في جريدة "الأخبار" جان عزيز مهاجمة وزير العدل مهما كان الثمن وأيا تكن الوسيلة، تصبح الوسائل ثانوية في إطار إرواء غليل حقده الدفين وهو ما يتلاقى مع إرضاء أسياده الجدد وأولياء نعمته.
من هذه الزاوية يمكن إجراء قراءة موضوعية للمقال الذي كتبه في عدد الثلثاء 8 كانون الأول في جريدة "الأخبار" تحت عنوان: "سبعة أسئلة حول «فضيحة» القاضي المعزول…" لقراءة المقال اضغط هنا
طبعا لم يكن مقبولا بالنسبة الى عزيز وأسياده أن يقوم وزير العدل بخطوة نالت إعاجابا وتقديرا غير مسبوقين لدى الرأي العام اللبناني، وذلك في إطار الانطلاق في مسيرة الإصلاح الحقيقية والمنتظرة منذ زمن في القضاء اللبناني. لذلك كان المطلوب واضحا: تدبيج كل ما يلزم وتزوير كل الوقائع وصولا الى قلب الحقائق بهدف أن يتحوّل وزير العدل جلادا مزدوجا: فهو من جهة وزير مسيحي يستقوي على قاض مسيحي "لأن لا ظهر سلطويا يحميه على عكس الباقين"، ومن جهة ثانية يمكن أن نحوّل البروفسور ابراهيم نجار متورطا ومساهما في طمس حقائق ملفات بنك المدينة!!!
ما لم يتنبه له عزيز وأسياده على الإطلاق أن ما كتبه كان أشبه بسيناريوهات أسياده في تركيب الملفات في مرحلة انتهت. وأوجه الشبه واضحة من خلال الوقوع في "فضائح" قانونية لأن ما كتب لا علاقة له بالقوانين ولا بالأصول القضائية، ولا يخرج عن إطار التحريض السياسي والطائفي، بل يصل من شدة غباوة الكاتب الى إدانة نفسه وأسياده.
وفي ما يأتي محاولة للإجابة على بعض أسئلة عزيز دحضا لادعاءاته الكاذبة ومنعا للتضليل:
1ـ لماذا التوقيت؟ الجواب واضح وهو أن الصلاحية في الملاحقة تعود حصرا الى مجلس القضاء الأعلى وليس لوزير العدل. ومجلس القضاء الأعلى يؤلف الهيئة العليا للتأديب والتي تتألف من 5 قضاء يكونون أعضاء في مجلس القضاء الأعلى. وهذه الهيئة لم تلتئم إلا بعد اكتمال عقد مجلس القضاء الأعلى. عندها وضعت الملف على جدول أعمالها بعد انتهاء العطلة القضائية وأجرت جلسات المحاكمة واستعمت الى القاضي المتهم وأصدرت حكمها في 21 تشرين الثاني الماضي.
2ـ أين هو الراشي ولماذا لم تتمّ محاكمته؟ السؤال مشروع للجاهل الذي لا يعرف القوانين اللبنانية. فالمادة 353 من قانون العقوبات المعدلة تورد أن (…) "لما الراشي يبوح بالفعل قبل الملاحقة لا يعود من الممكن ملاحقته (…)" وتضيف (…) "ويعفى الراشي أو المتدخل من هذه العقوبات إذا باح بالأمر للسلطات ذات الصلاحية أو اعترف به قبل إحالة القضية على المحكمة (…)"، وهذا بالفعل ما حصل في هذه القضية إذ إن الراشي اعترف بالأمر وأبلغ السلطات المعنية قبل أن تكون هناك قضية!
أما في موضوع الملاحقة الجزائية، فإن فعل الرشوة مع القاضي غنطوس حصل عام 2004 وما قبل ذلك، ولم يكن يومها القاضي سعيد ميرزا مدعيا عاما للتمييز، بل كان أصدقاء عزيز من أمثال المدعي العام السابق ومن تلاه في هذا المنصب، وهم من قرروا عدم ملاحقة القاضي غنطوس جزائيا والاكتفاء بإحالته عند افتضاح فعل الرشوة الى الهيئة العليا للتأديب. وبالتالي فإن من يتحمّل مسؤولية هذه القرارات هم أصدقاء عزيز الجدد وليس السلطات القضائية الحالية.
3ـ أما سيناريوهات الربط بملف بنك المدينة وغيرها فتبدو كمن يتهم نفسه، لأن من قرر إحالة القاضي غنطوس الى الهيئة العليا للتأديب هم من أشرنا إليهم أعلاه، وبالتالي قد يصحّ سؤال عزيز لو يوجهه الى القاضي عضوم وفريقه السابق، وهم من أصدقاء عزيز الحاليين.
4ـ وإذا كان عزيز جاهلا في القوانين كما يبدو فإننا نذكره بمضمون الفقرة الأخيرة من المادة 87 من قانون القضاء العدلي التي تشير الى أنه "لا يقبل قرار المجلس أي طريق من طرق المراجعة، ويكون نافذا بحد ذاته بمجرّد إبلاغه الى صاحب العلاقة بالصورة الإدارية، ويبلغ هذا القرار الى وزير العدل". وتتابع المادة 88 من القانون إياه: "لا يجوز نشر أو إعلان أي معاملة من معاملات الملاحقة التأديبية ما عدا القرار النهائي إذا تضمّن عقوبة الصرف أو العزل".
5ـ لن تنفع كل محاولات عزيز للتحريض الطائفي والإيحاء بأن وزير العدل القواتي يتحامل أو يستقوي على قاض مسيحي. ونسأله في هذا الإطار: هل وزير العدل هو من يحرّك هذه القضايا؟ وماذا عن الـ18 قضية الأخرى المحالة أمام الهيئة العليا للتأديب؟ وهل المطلوب من وزير العدل أن يغطي الفاسد والمرتشي فقط لأنه مسيحي؟ وهل هذا هو منطق "الإصلاح والتغيير" الذي يدافع عنه عزيز وينتمي إليه؟
6ـ حبّذا لو يعرف البعض معنى الحياء فيوفرون على أنفسهم جهد المحاضرة في العفة!