#adsense

تيار الخسائر و”مين أذكى”؟!!

حجم الخط

تيار الخسائر و"مين أذكى"؟!!

هو أمر غير مسبوق في تاريخ المنافسة السياسية أن يطرح مناصرو سياسي سؤالاً لكأنّه "إشكالية" تحتاج الى استفتاء يعوّض خسائر الانتخابات الطالبية والنقابية، والسؤال العبقري جاء تحت عنوان:"مين أذكى"؟ وهذا الأمر مدعاة للكثير من الضحك خصوصاً أنه يُذكرنا بسؤال "الشريرة" في حكايات الجمال الطفولي البريء: "مرايتي يا مرايتي.. مين أحلى"؟

يقترح العونيون هذا السؤال وكأنه استفتاء "عبقرية" سيدخل بنتيجته "الأذكى" موسوعة غينيس، والنتيجة على الطريقة "العونية" دائماً هي الفوز حتى لو كانت الخسارة فادحة، فالجنرال اعتاد على اختراع بطولة من الفرار، وصياغة الانتصار من الخسارة، وهو – والعياذ بالله – "نابغة" في إيراد لبنان موارد التهلكة… ولولا الخجل لطرح العونيون المغرمون بصيغ التفضيل فهم يناطحون في كل موضوع ولا يبدأون جملة من كلامهم إلا مسبوقة بـ:"نحن أول من"، فالجماعة اعتادوا على وزن أفعل!! لذا ليس غريباً على "ولاديّة" تعاطيهم السياسية أن تطرح سؤال مفاضلة بين الجنرال ميشال عون ورئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، ويسألون بمنتهى الجدية: مين أذكى؟

والجماعة يجدون في قائدهم "جدعون" التوراتي الفذّ، وهو الذي فعل لأجلهم ما لم يفعله مار مارون ومار شربل ومار عبدا المشمّر، وهو الذي لم يتردد في تشبيه نفسه بالسيّد المسيح على الملأ، هو أذكى رجل في العالم، وهو "سوبر مان" و"سبايدر مان" وهو "ترمينيتر لبنان"، على الرغم من أنهم لم يحددوا لنا في سؤالهم ما هي معايير ومقياس قياس الذكاء عندهم، خصوصاً وأنهم تأخروا كثيراً في إجراء اختبار الذكاء هذا على الجنرال، فعادة تأتي هذه الاختبارات في عمر الطفولة لا على عتبة الثمانين!!

لربما كان عليهم أن يطرحوا السؤال بصيغة أخرى، وكنا سنقترح عليهم آلاف الصيغ على وزن "أفعل"، فنسأل: مين أرجل؟ (من رجولة).. الحكيم الذي قيل له سافر حتى لا تدخل السجن فحمل حقيبته ومشى باتجاهه لبقاء رأسه مرفوعاً، أم الجنرال الذي سكّت ركبتاه عندما سمع تحليق الطائرات في 13 تشرين الشهير فخلّف وراءه زوجته وبناته وفرّ إلى أرض السفارة الفرنسية لاجئاً، تاركاً وراءه أيضاً جنوداً وضباطاً غرّر بهم عندما دعاهم للقتال حتى الموت فماتوا ليحيا هو؟!

ولربما كنا اقترحنا عليهم سؤالاً بصيغة تفضيل مركبة: "مين نفسو" السياسية أعفّ وأشرف؟ الذي أحرق لبنان في العام 1989 والعام 1990 ليصل إلى كرسي الرئاسة ولم ينلها، والذي يقول للناس انتخبوني ولو ليوم رئيساً، أم الذي عرضت عليه النيابة والوزارة مرات ومرات ولو رضي مرة بما عرض عليه لكان اليوم ربما رئيساً…. لكنه يرى نفسه أكبر من كل الكراسي…

ولو طرحنا عليهم السؤال بعنوان آخر: مين أفهم؟ وهنا بيت القصيد، لأن الفهم يورث الحكمة، والصبر يورث الحكمة، والهدوء في الخطاب يورث احترام الذات والآخر، فالأفهـم والأحكـم والأخبـر والأعلـم هو من يدخل السجن لمدة أحد عشر عاماً يمضيها في الدور الثالث تحت الأرض ـ يعني أرادوا دفنه في الحياة – فيقضيها في القراءة والاطّلاع والبحث والمعرفة ويخرج حيّاً سويّاً راجحاً في عقله وتوازنه ورؤيته، أم الذي فرّ ليتشمّس في باريس ولم يكد يصل إلى مطار رفيق الحريري الدولي حتى أرغى وأزبد وأبرق وأرعد وانهارت أعصابه من الذين جاءوا يحتفون بعودته؟

ولو طرحنا السؤال من الأبلغ في إيصال أفكاره والتعبير عن مواقفه، هل الذي انحدر بالخطاب السياسي إلى ما تحت الزنار وتحت الركبة وبطن السقاية ودعارة الفكر والقلم، بطل ارتجال الشتائم الذي يضطر توابعه إلى تصحيح ما قاله وتوضيحه مئات المرات، أم الذي يخرج علينا بخطاب منهجي واضح لا لبس فيه، بلغة رصينة جريئة ومن دون مفرد ابتذال واحد، ومن دون منع أسئلة ورفض الإجابة على أخرى؟

ولو طرحنا السؤال عليهم : من الأصدق؟ هل الذي لم يبدّل حرفاً مما كان يقوله منذ عقد ونصف من الزمن ويزيد، أم الذي يقدّم للناس برنامجاً انتخابياً ثم يسحبه من التداول ويغيّر مواقفه كما يبدّل ربطات عنقه، وبحسب مصالحه فيفصل النيابة عن الوزارة إن رسب صهره، ويدمج النيابة بالوزارة إن فاز صهره؟

أسوأ ما يفعله العونيون هو وضع جنرالهم موضع مقارنة، لأنه لا علاقة له إلا بالتذاكي وهم يدركون ذلك ودليلهم خساراتهم المتتالية بفعل مواقفه العبقريّة، وليس في مصلحة جنرالهم أن يأتيهم الجواب على سؤالهم:"أكيد أكيد أكيد…الحكيم مش الجنرال"…

لن يدخل ميشال عون موسوعة غينيس إذا ما ارتأى جماعته أنه الأذكى، خصوصاً إذا ما قررت لجنة غينيس إخضاعه لاختبار الذكاء ـ ستكون النتيجة كارثيّة ـ ولأننا نعرف مفهومهم للذكاء اعادة ترداد جمل الجنرال كالروبوت، أما رجلهم فسنجد مئات أفعل التفضيل المفصّلة على قياسه ولكنها بعيدة كل البعد عما قد يمدحون به جنرالهم … لا أعرف من اقترح عليهم أن يطرحوا هكذا سؤال، ربما لأن معنويات الرجل وشعبيته دخلتا مرحلة الذوبان والتبخر كالقطب الشمالي وقد دخل مرحلة التصحّر، فهذا سؤال لا يطرح لأن المقارنة بين من لا رصيد له سوى تاريخ من الهزائم والدمار من أجل الوصول إلى كرسي الرئاسة، وبين من اختار أن يكون صادقاً مع نفسه وجمهوره ومبادئه فاختار الذهاب إلى السجن، دخله رجلاً وخرج منه رجلاً، فيما سواه سجّل في تاريخه أكبر وصمة عار تلحق بقائد عسكري عندما فرّ تاركاً جنوده في الميدان ونساء عائلته لمصيرهن، إنه جنرال قاعدة سياسته "الهروب إلى الأمام" فقط لا غير!!

"قال: مين أذكى؟ قال"، وكل الخوف بعد زيارات إعادة التأهيل وإزالة الترهيل التشيكيّة البوتوكسية أن يفاجئونا غداً بسؤال: مين أحلى؟ أنها قمة ممارسة السياسة بذهنية الساحرة الشريرة والمرآة الصادقة… هكذا سؤال يستحقّ ضحكة رنانة ساخرة من أصحابه، هذه سياسة "السنافر" لا سياسة رجال…

المصدر:
الشرق

خبر عاجل