الديموقراطية لبنانياً وكويتياً !
ديموقراطيتان عربيتان تحت الضوء ووسط الدوي، في منطقة يغلب عليها التصحّر السياسي وتمسك بها قبضة الانظمة الكلية: لبنان والكويت.
في لبنان تستمر جلسات مناقشة البيان الوزاري للحكومة الجديدة في البرلمان. وقد تحولت معظم الكلمات والخطب عرضا كلاميا امام "سيدتنا الكاميرا"، اذ ربما لن تتسنى للبعض من النواب في ما بعد فرصة قول كلمة يسمعها الناخبون الذين لا يسمعون الآن بالطبع ولن يسمعوا في المستقبل!
وفي الكويت برزت وقائع حدث مهم في الحياة البرلمانية الكويتية، عندما وقف رئيس الحكومة الشيخ ناصر المحمد وثلاثة من وزرائه امام مجلس الامة في سابقة تاريخية، تمثلت في قبول الرد على استجوابات نيابية وتفنيدها. وهو امر، اي الاستجواب، كان قد ادى في الماضي الى استقالة الحكومة او حل مجلس الامة والذهاب الى انتخابات جديدة، لان دوافع مقدمي الاستجوابات كانت في الغالب مجرد محاولات لاستمطار الشعبية ولو على طريقة كسر مزراب العين.
عمليا، يُنظر دائما الى لبنان والكويت على انهما يمثلان قاعدتي جسر للديموقراطية البرلمانية. واذا كانت التجربة الديموقراطية فيهما قد اثمرت كثيرا من الفوائد والايجابيات واوجدت امام المواطنين مساحة للتعبير عن الرأي وحق القرار والاختيار، فإنها جلبت على البلدين رياحا مؤذية وغالبا من الجيران والاشقاء. ولكن رغم هذا يمكن المرء ان يعاين بصمات ايجابية للتجربة الكويتية في الخليج وبصمات ايجابية للتجربة اللبنانية في المنطقة عموما، وان كانت في معظم انظمتها تراوح في الجمود والكلية.
❒ ❒ ❒
في لبنان ثلاثة ايام من الخطب والعراضات في البرلمان، لن تضيف شيئا جديدا الى الخلاصات المفهومة جيدا، التي رافقت مسيرة الضنك والصبر وطول الاناة التي ميزت عمل الرئيس سعد الحريري، اولا على امتداد الاستشارات في مرحلتيها الاولى والثانية التي تحولت حوارا وطنيا باعتراف الجميع، وثانيا في جلسات إعداد البيان الوزاري التي استمرت ثلاثة اسابيع واستنفدت كل ما يمكن ان يخطر في بال الاكثرية والمعارضة.
وها نحن امام طوفان الكلام رازحون، لكن المهم في النهاية هو العودة الى منطق الشعارات التي يكررها الحريري منذ مدة، اي اعطاء الاهمية للافعال وللمنهج التنفيذي لعمل الوزارات، ابتداء من الاهتمام بشؤون المواطنين الذين كانت النزاعات والانقسامات قد وضعتهم على قارعة السياسة والدولة والمسؤولية.
طوفان من الكلام في البرلمان لكن جوهر الرسالة السياسية برز في عبارات قليلة وردت في كلام سعد الحريري قبل ان يتلو البيان الوزاري اول من امس عندما قال:
"ان المواطن اللبناني يحمّلنا مسؤولية اعادة تظهير الوجه الديموقراطي لنظامنا السياسي في ظل حكومة قد تحصل على ثقة 99 في المئة من مجموع النواب، اي في غياب المعارضة (…)".
بكل تأكيد. فما يسمى الآن تجميلا "الديموقراطية التوافقية"، يمكن ان يشكل مدخلا لتدمير مبدأ الفصل بين السلطات، ومنطلقا لاسقاط مبدأ المراقبة والمحاسبة واستطرادا مقبرة للديموقراطية عينها.
وعندما يؤكد رئيس الحكومة الحاجة الى اعادة تظهير الوجه الديموقراطي للنظام السياسي، مشددا على ان "هذه الحكومة لم تتشكل كي يتم اغلاق الحياة الديموقراطية في لبنان"، فان ذلك لا يعني ان نظامنا السياسي وحده وديموقراطيته البرلمانية امام امتحان صعب، بل ان لبنان وشعبه امام امتحان صعب. ومرة جديدة يرفع الحريري اهدافه "الفلكية" بالقول "ان هذه الحكومة تملك خيارا واحدا هو النجاح"، رغم انه يعرف جيدا ان لا نجاح في لبنان خارج قيم الديموقراطية التي أغنت النظام السياسي عندنا ولا تزال.
❒ ❒ ❒
الديموقراطية اللبنانية امام امتحان صعب في وقت اجتازت الديموقراطية الكويتية اول من أمس، اكثر الامتحانات صعوبة، عندما واجه رئيسها الشيخ ناصر المحمد ووزراؤه لاول مرة في تاريخ مجلس الامة، الاستجواب المقدم من عدد من النواب، مؤكدا ان "تعلّقي بالمثل الديموقراطية دفعني الى الوقوف للرد على محاور الاستجواب، التي يعرف الجميع ما فيها من المخالفات الدستورية والقانونية"، لان هذه الاستجوابات تناولت مصاريف رئاسة مجلس الوزراء، وهو امر معروض على القضاء، وتحديدا ديوان المحاسبة الذي اكد التزام حدود الاعتمادات المرصدة.
ولعل اكبر دليل على ان مقدمي الاستجوابات كانوا يريدون قرع طبول الشعبية لتسجيل المواقف، اولا اصرارهم على ان تكون جلسات الاستجواب علنية، وهو ما رفضه مجلس الامة، وثانيا رفعهم مذكرة الى رئيس مجلس الامة جاسم الخرافي تدعو الى مقاطعة الحكومة، وهو امر تعارضه الغالبية الساحقة في مجلس الامة.
تجربتان عربيتان تحت الضوء ووسط الدوي. لبنانية تنطلق من روح الديموقراطية لاجتياز الامتحان الصعب الذي اشار اليه الحريري، وكويتية تنطلق من قواعد الديموقراطية لمعالجة مشاكل الديموقراطية، وفي ذلك درس اقليمي مهم عشية انعقاد قمة التعاون الخليجي في الكويت!