مشروع "حزب الله": إيران أولاً ولا تطمينات للبنانيين
معارك المقاومة أكبر من قدرات لبنان
لم يقدم "حزب الله" في وثيقته السياسية الجديدة ضمانات او تعهدات الى اللبنانيين انه ينوي احداث تغييرات جوهرية وجذرية في سياساته وتوجهاته تطمئنهم وتشمل الامتناع عن استخدام السلاح في الصراع السياسي الداخلي وتؤدي الى اندماجه مع الافرقاء الآخرين في مشروع الدولة الواحدة بحيث يصير جزءا فاعلا من هذه الدولة ومؤسساتها، خاضعا مع سلاحه للسلطة الشرعية وقراراتها، محترما في ذلك مطالب الغالبية الكبرى من المواطنين وهو ما يعزز الوحدة الوطنية والسلم الاهلي. بل ان "حزب الله" اكد في هذه الوثيقة تمسكه بكل خياراته ومواقفه وتحالفاته الاساسية من منطلق ان معركته لم تنته داخلياً وخارجياً، وان حساباته ورهاناته وارتباطاته تمنعه من احداث اي انقلاب في مساره السياسي والعسكري والاستراتيجي. ويبدو واضحا من نص هذه الوثيقة ان "حزب الله" يتصرف كتنظيم رئيسي مشارك في السلطة ويعمل في الوقت عينه خارج مؤسساته الشرعية، وهو يطالب بالدولة القوية لكنه يمتنع عن تقوية الدولة، وهو يدعو الى التوافق الوطني لكنه ينشط ويتحرك خارج اطار التوافق". هذه خلاصة تقويم ديبلوماسيين وخبراء اوروبيين معنيين بشؤون لبنان والحركات الاسلامية لوثيقة "حزب الله" الجديدة وهي الثانية له منذ تأسيسه والاولى منذ انخراطه في الحياة السياسية ودخول ممثلين له مجلس النواب عام 1992. وأبدى هؤلاء الديبلوماسيون والخبراء اهتماما بمضمون الوثيقة الجديدة لانها تعكس بدقة نظرة "حزب الله" الى الواقعين اللبناني والاقليمي وتطلعاته واهدافه المستقبلية، وركزوا على المسائل والنقاط الاساسية الآتية التي يتضمنها نص الوثيقة:
• اولا: يؤكد "حزب الله" ضمنا ان الدولة اللبنانية الحالية ليست هي "الدولة العادلة القادرة القوية" التي يطمح اليها، لكن الحزب، في الوقت عينه، يرفض المشاركة الفاعلة في اقامة مثل هذه الدولة اذ انه يتمسك بدولته العسكرية – الامنية المستقلة عن السلطة الشرعية وبسلاحه، كما يرفض التخلي عن قرار الحرب مع اسرائيل ليكون في يد السلطة الشرعية كما هو الحال في سوريا وايران وسائر دول العالم. وقدم الحزب مواصفات عدة للدولة التي يتمنى قيامها، لكنه امتنع عن تأكيد حقيقة اساسية وهي ان "الدولة العادلة القادرة القوية" يجب ان تمتلك وحدها السلاح لتبسط سلطتها على كامل الاراضي اللبنانية، وان وجود تعايش بين السلاح الشرعي وسلاح "حزب الله" يضعف سلطة الدولة وهيبتها ويجعلها غير عادلة.
• ثانيا: يرى "حزب الله" ان شرط تحقيق ديموقراطية صحيحة يمكن في ضوئها ان تحكم الاكثرية وتعارض الاقلية هو الغاء الطائفية السياسية، وانه في انتظار تحقيق ذلك عبر الحوار الوطني "تشكل الديموقراطية التوافقية صيغة سياسية ملائمة لمشاركة حقيقية من الجميع". لكن الحزب يتجاهل مسألة اساسية هي ان وجود السلاح في ايدي فريق لبناني واحد يتناقض جذريا مع الديموقراطية ومع التوافق الوطني، كما انه ليس ممكنا الاقدام على خطوة كبرى كالغاء الطائفية السياسية في بلد كلبنان في ظل امتلاك فريق واحد السلاح خارج سلطة الدولة الشرعية. ويستحيل فرض الغاء الطائفية السياسية بقوة السلاح على سائر الافرقاء اللبنانيين.
• ثالثا: يرى "حزب الله" ان النظام السياسي الحالي ليس هو الذي يعكس فعلا ارادة الشعب اللبناني وتطلعاته وامانيه. لكن الحزب لم يطرح في وثيقته مشروعا محددا لنظام سياسي جديد بديل من النظام الحالي او افضل منه واكتفى بطرح مجموعة من الشعارات والمبادئ العامة، ولم يحدد على اي اساس يجب ان يقوم النظام الجديد: هل يقوم على اساس صيغة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين المعتمدة حاليا والتي نص عليها اتفاق الطائف والدستور، ام على اساس صيغة المثالثة التي يتمناها الحزب وتدعمه سوريا وايران بصورة غير معلنة والتي تقلص نفوذ المسيحيين، ام على اساس صيغة "الاكثرية العددية" التي تضعف المسيحيين كثيرا وتبدل وجه لبنان؟
الواضح ان "حزب الله" ليس راغبا في كشف اوراقه لان ما يتمناه فعلا يتناقض مع ما يريده حليفه المسيحي العماد ميشال عون. وما يسترعي الانتباه ان الحزب لم يؤكد في وثيقته هذه تمسكه الواضح باتفاق الطائف كصيغة ملائمة للحكم قابلة للتطوير والتحسين بالتوافق بين اللبنانيين.
متي ينتهي دور المقاومة؟
• رابعا: يؤكد "حزب الله" في وثيقته ان المقاومة المسلحة هي الخيار الوحيد للتعامل مع اسرائيل ويدعو تاليا الى استمرارها في لبنان على اساس ان المقاومة "تشكل مظلة الحماية للبنان بعد فشل الرهانات على المظلات الاخرى سواء كانت دولية ام عربية ام تفاوضية مع العدو". ويحاول الحزب بموقفه هذا ان يبرر احتفاظه بسلاحه لخوض المعركة مع اسرائيل. لكن "حزب الله" يتجاهل تماما دور الدولة المفترض فيها ان تحدد هي طريقة التعامل مع اسرائيل وان تكون هي المسؤولة الاولى عن حماية لبنان والدفاع عنه وتحديد سبل استعادة اراضيه المحتلة وحقوقه المغتصبة. كما يتجاهل الحزب ان سوريا القوية عسكريا تتمسك منذ عام 1974 بالخيار الديبلوماسي والسلمي وحده وليس بالمقاومة المسلحة لحماية ذاتها ولاستعادة الجولان المحتل، ويتجاهل الحزب كذلك ان سلاحه لم يستطع تأمين الحماية للبنان خلال حرب صيف 2006 اذ ان اسرائيل ألحقت اضرارا وخسائر مادية وبشرية هائلة بهذا البلد وبأبنائه. ووجود السلاح في ايدي "حزب الله" يمكن ان يمهد لاستخدامه في الداخل او لمحاولة تحقيق اهداف اقليمية، ويمكن ايضا ان يعطي "ذرائع" لاسرائيل لمهاجمة لبنان على اساس ان هذا السلاح هو في خدمة النظام الايراني الساعي الى امتلاك السلاح النووي مما يشكل، في رأي الاسرائيليين، "تهديدا وجوديا" للدولة العبرية.
• خامسا: يتمسك "حزب الله" ببقاء المقاومة المسلحة حتى بعد التفاهم بين الافرقاء اللبنانيين على الاستراتيجية الدفاعية المفترض بها ان تضبط سلاح الحزب وتجعله في خدمة الدولة، اذ انه يؤكد في وثيقته ان الصيغة الدفاعية الجديدة "يجب ان تقوم على المزاوجة بين وجود مقاومة شعبية تساهم في الدفاع عن الوطن وجيش وطني يحمي الوطن في عملية تكامل اثبتت المرحلة الماضية نجاحها في ادارة الصراع مع العدو". فما الفائدة اذاً من عقد مؤتمر وطني للتفاهم على استراتيجية دفاعية جديدة اذا كان "حزب الله" يحدد سلفا مضمون هذه الاستراتيجية؟ بل ان السيد حسن نصر الله الامين العام للحزب اكد في مؤتمره الصحافي الذي قدم فيه الوثيقة ان وجود المقاومة "من اهم الشروط لتمكين اللبنانيين من بناء دولتهم التي يطمحون اليها". وهذا يعني، ضمنا، ان "حزب الله" سيحتفظ بسلاحه الى ان تقوم الدولة التي يراها ملائمة لاقتناعاته ومصالحه وانه ليس مستعدا تالياً للتخلي عن هذا السلاح للدولة الحالية بهدف تقويتها. وبدا واضحا ان نصرالله ليس مهتما برفض غالبية كبرى من اللبنانيين احتفاظ "حزب الله" بسلاحه اذ قال في مؤتمره الصحافي "ان المقاومة ليست في حاجة الى اجماع وطني لكي تقوم بدورها ونشاطاتها".
وهذا الموقف يتناقض جذريا مع دعوة الحزب المستمرة الى التوافق بين اللبنانيين على القرارات الاساسية والى تحقيق شركة في الحكم بين مختلف الافرقاء وهو ما يتطلب بالضرورة شركة في اتخاذ القرارات وخصوصا تلك المتعلقة بالحرب والسلم الاهلي.
• سادسا: لم يربط "حزب الله" انتهاء دور المقاومة المسلحة بتحرير ما تبقى من ارض لبنانية محتلة وباستعادة الحقوق اللبنانية المشروعة المغتصبة فحسب، بل انه اعطى في وثيقته المقاومة دورا اكبر من ذلك واكثر طموحا وخطورة اذ اكد ان المقاومة "ضرورة وطنية دائمة دوام التهديد الاسرائيلي"، موضحا "أن اسرائيل تمثل تهديدا دائما للبنان الدولة والكيان وخطرا داهما عليه". وفي رأي خبير فرنسي في شؤون "حزب الله" ان الحزب "بموقفه هذا يستبعد بل يلغي كليا احتمال التوصل الى اتفاق سلام بين لبنان واسرائيل اذا تمكن اللبنانيون من استعادة ارضهم المحتلة وضمان حقوقهم المغتصبة. وهذا الموقف يتناقض مع سعي لبنان وسوريا والدول العربية الاخرى الى تحقيق السلام مع اسرائيل على اساس مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية. ان ما يريده "حزب الله" فعلا هو ممارسة دوره كحركة مقاومة مسلحة ليس من اجل تأمين المطالب والحقوق اللبنانية المشروعة فحسب، بل من اجل ترك الباب مفتوحا امام احتمال استخدام سلاحه في الداخل ومن اجل خدمة اهداف ومصالح اقليمية وخصوصا سورية وايرانية وهو ما يتجاوز قدرات لبنان وطاقاته ويلحق اضرارا بالمصالح اللبنانية الحيوية المشروعة".
• سابعا: يبدو واضحا من نص الوثيقة ان ايران بالنسبة الى "حزب الله" هي المرجعية الاساسية والنموذج الابرز وليست سوريا. وهذا يعكس الواقع التاريخي والراهن للحزب الذي يشكل منذ تأسيسه الى اليوم الامتداد الديني والعقائدي والعسكري والاستراتيجي للنظام الايراني وذراعه المسلحة. وقد اختار الحزب في وثيقته الانحياز الى النظام الايراني بدل التمسك بانتمائه العربي، ذلك انه تبنى كليا وجهة نظر ايران في تعاملها مع الدول العربية وفي نزاعها مع المجتمع الدولي المرتبط ببرنامجها النووي وسياساتها الاقليمية. فقد حمل "حزب الله" بعض الجهات العربية مسؤولية تأزم العلاقات العربية – الايرانية "وهو ما يمثل طعنا للذات وللقضايا العربية ولا يخدم سوى اسرائيل والولايات المتحدة" على حد قوله. لكن الواقع مختلف عما تنص عليه وثيقة الحزب، اذ ان النظام الايراني هو المسؤول الاول عن تأزم العلاقات مع العرب عموما، ذلك ان هذا النظام يعتمد استراتيجية هجومية في تعامله مع الكثير من الدول العربية ويتدخل سلبا في شؤونها الداخلية ويعمل على زعزعة الامن والاستقرار ومحاولة تغيير موازين القوى والمعادلات بالعنف والسلاح وبالاعتماد على حلفاء له في عدد من الساحات الاقليمية كفلسطين والعراق ولبنان واليمن وبعض الدول الخليجية. كما ان النظام الايراني هو الذي يضع ذاته في حال مواجهة مع المجتمع الدولي ككل وليس مع اميركا وحدها بسبب مساعيه لامتلاك السلاح النووي ولفرض هيمنته على المنطقة العربية وبسبب رفضه التفاوض مع الدول الكبرى على "عرض سخي" قدمتها له هذه الدول لتسوية مشكلته النووية بطريقة تؤمن دعما دوليا لبرنامجه النووي السلمي وتحسن علاقاته مع الدول الغربية في مختلف المجالات، شرط تخليه عن جهوده لانتاج السلاح النووي. وهذا الموقف الايراني المتصلب يهدد بتفجير حرب جديدة في المنطقة. ومما قال ديبلوماسي اوروبي مطلع: "حين يدعو "حزب الله" الدول العربية الى التعامل مع ايران كدولة مركزية مهمة وكمركز ثقل استراتيجي في المنطقة من غير ان يطالب النظام الايراني بالتخلي عن سياساته السلبية الخطرة المتناقضة مع المصالح يدعو العرب الى الرضوخ للجمهورية الاسلامية والالتحاق بها وبمشروعها وخططها تحت شعار مواجهة السياسات الاميركية. وهذا الموقف يعكس بوضوح الترابط الوثيق بين "حزب الله" والنظام الايراني ومشروعه الاقليمي. وقد حدد الحزب في وثيقته موقعه على اساس انه في حال مواجهة مع مشروع الهيمنة الاميركية على المنطقة ومع الخطر الاميركي عموما، وهذا ليس برنامج حزب سياسي لبناني الاهداف والطموحات بل انه برنامج حزب يعطي الاولوية لمشروعه الاقليمي ويرى نفسه جزءا من المعركة التي تخوضها ايران مع حلفائها ضد الولايات المتحدة".
بالنسبة الى سوريا، يقول "حزب الله" عنها في وثيقته انها "سجلت موقعا مميزا صامدا في الصراع مع العدو" وانها "دعمت حركات المقاومة" ويدعو الى اقامة "علاقات مميزة" بينها وبين لبنان. لكن الحزب ينتقد في الوقت عينه بشدة "المسار التفاوضي التسووي" ويدعو الى "التخلي الحاسم والنهائي عن التسوية والمفاوضات والى اعتماد المقاومة بكل اشكالها وفي مقدمها الكفاح المسلح". وهذه الدعوة تنسجم تماما مع الموقف الايراني وتتناقض مع موقف النظام السوري الساعي منذ 1974 الى حل النزاع مع اسرائيل سلميا وعبر المفاوضات وليس عبر الكفاح المسلح.
وقال لنا ديبلوماسي اوروبي مطلع على الوثيقة: "ان لبنان في نظر "حزب الله" ساحة مواجهة مفتوحة اكثر مما هو وطن ودولة ومؤسسات شرعية. ذلك ان "حزب الله" هو التنظيم الوحيد في العالم العربي الذي يحاول ان يفرض على بلده ومواطنيه مفهومه الخاص للوطنية وللمقاومة ولدور الدولة والجيش، ويريد ان يقنعهم بان من "حقه" وحده ان يمتلك السلاح خارج سلطة الدولة وان يقرر نيابة عنهم وبالتشاور مع دمشق وطهران متى يفجر المعركة مع اسرائيل ومتى ينفذ مشروعه الاقليمي المتناقض مع مصالح اللبنانيين الحيوية، ثم يدعوهم الى التوافق معا على ادارة شؤون هذا البلد".