4 سنوات على اغتيال جبران تويني 12 كانون.. والبحث عن 14 آذار
غداً السبت تنقضي سنوات أربع على سقوط "رمز الرموز" في ثورة الأرز وانتفاضة الاستقلال وأعلى أصواتها وأكثرها صدقاً والتصاقاً بـ يوم 14 آذار وشعبه، جبران تويني الذي كان لا بدّ للقاتل من قتله، لأنه كان الصوت الأكثر جرأة، والكلمة الحرّة الأكثر فعلاً باللبنانيين، اغتيال ذاك "القسم" تمهيداً لاغتيال نقطة قوة اللبنانيين التي إن أدركوها هزموا العالم مجتمعاً "مسلمين ومسيحيين..أن نبقى موحدين.. دفاعاً عن لبنان العظيم"…
لم يعد يُجدي السؤال: لو كان جبران بيننا لقال ولفعل ولغضب أو انتفض.. لم يعد يُجدي طرح السؤال لأننا نعرف الجواب…جبران تويني لم يعد هنا، ولو خيّروه لاختار البقاء حيث هو، أما الجواب الآخر؛ فلو قدّر لجبران أن يخاطبنا في ذكرى اغتياله، لاختار أن يخاطبنا بـ "حذائه"، و"رشقة" واحدة كافية، ولردّد مع أم آخر ملوك الأندلس وهو يفرّ مخلّفاً وراءه ملكه وغرناطة مدينته، لقال لنا: "ابكوا كالنساء.. دماء شهداء لم تحفظوا أمانتها كالرّجال"…
غياب جبران تويني، مؤلم جداً، ونفتقده لأنه لم يكن يُساوم، وما نشهده اليوم هو سوق مساومات منصوب وكلّهم حاضرون السوق، وبضاعتهم تباع وتشرى… ما نشهده اليوم؛ "سيرك" وشعبي أيضاً، ليس أكثر من ذلك أبداً، هو أشبه بقصيدة الشاعر أحمد فؤاد نجم "البيضة والكتكوت"… و"الحاوي" يلاعبنا يخرج الثعابين من نفس الكيس الذي يخرج منه الأرانب والصيصان… "توت توت… حاوي توت… خُشّ اتفرّج هرّج فوت… قعدة فكيهة حتسمع فيها.. حكاية البيضة والكتكوت.. يُحكى أنّ ولازم يُحكى.. كان في بيضة وفرخة كمان..دبحوا الفرخة طبّت صارخة.. راحت البيضة طقّت شارخة.. طقشت فقشت فرخ فصيح.. يِدَّن ويْهَلِّل ويصيح.. حتى ان كان على وشّ دبيح.. يفضل يِدَّنْ لمّا يموت"…
نحن كهذا الفرخ، في سيرك أحمد فؤاد نجم.. كأنّه قدر أن نظلّ تحت رحمة سكّين الذبح، ومع هذا نظل نُهلّل ونؤذّن ونصيح باسم الحرية والسيادة والاستقلال…كم أصبحت هذه الكلمات بعيدة بعيدة وتلفّها قطع كثيفة من ضباب ما يحدث ولا نفهمه…
كلّ شيء ضدّ فكرة لبنان السيد الحرّ المستقل يفعلونه، ويجدون له اسماً لائقاً في محاولة لافتراسنا بهدوء وتؤدة… فالسلاح الذي يفرد ظلّه بالقوة والإكراه، وجدوا له صيغة تُبقيه إلى الأبد مسلّطاً على مصير اللبنانيين يربط مصيرهم بمصير الجنون الإيراني النووي، وبلياقة وشياكة يقولون لنا: "مسألة داخلية تحلّ على طاولة الحوار"، وبقاؤه بالقوة وجدوا له أيضاً عنواناً مرناً:"استراتيجيّة دفاعيّة"…أما "التنازلات" فصار اسمها "تضحية"… وأما العلاقات الندية التي يطلبها الشعب اللبناني فتنازلوا عنها لتصبح "أخويّة"، لأن هناك من "يتحسّس" من مجرّد فكرة أن الشعب اللبناني "ندّ له" لأنه لا يراه إلا "عبد وتابع ووهم شعب"، مع أن هذا حقّ إلهيّ منحه الله لنا فـ "الناس سواسية كأسنان المشط"، و"التعطيل" أسموه "توافق" وتقييد رئيس الجمهورية أسموه "رئيس توافقي"، وشلّ الحكومة وتعطيلها أسماه المؤتمن على تشريع القوانين "حكومة بتراء"، و7 أيار أسموه يوم مجيد.. والسعي لتغيير هوية لبنان صار اسمه "وثيقة سياسية"!!
ولو قُيّد لجبران أن يقول كلمة واحدة لكلّ الذين تقدّموا ليركبوا موج الناس المتدفق في 14 آذار إلى ساحة الحرية، لرفض أن يقول لهم حرفاً، ولاختار أن يبصق في وجه البعض لكثرة ما اختار أن "يدعوس" على الدماء ويمشي، ولا يتعرّق وجهه حياءً لكثرة ما اعتاد خيانة الشهداء والإلقاء بدمائهم في حفرة تاريخ مصالح متذبذب ووقح في تذبذبه…
في الذكرى الرابعة لغياب جبران تويني، محزنٌ جداً الواقع الذي وصلنا إليه، البحث عن 14 آذار ليس بحثاً عمّن نصّبوا أنفسهم "أمانة عامّة" أو قيادات، بعضها لا محل لها من الإعراب في تاريخ ذلك اليوم، فقد تسللت إلى عنوانه بعده، وليس بحثاً عن تحالفات 14 آذار فمن "هرهر" منها "هرهر" لأنه كورق أصفر يابس آن موعد سقوطه في خريف السياسة، ومن بقي فباقٍ لإدراكه أن انفكاكه سقوط للبنان، واستفراد له فيصبح هيناً ليناً على الابتلاع…
14 آذار؛ الذي نبحث عنه، هو نحن، نحن "الناس العاديين" الذين ما زلنا نندهش كلما خانتنا مساومات السياسة…لو كان جبران هنا لكانت ربما صدرت بحقه أيضاً استنابة سوريّة لمساومة رئيس الحكومة سعد الحريري وليّ ذراعه، فلتذهب إذن الاستنابات وتقوم بالزيارة.. محزن هذا الواقع، محزنٌ جداً، ومحزنٌ جداً أنّ كل هؤلاء الشهداء سقطوا لأنهم صدقوا أنهم تركوا وراءهم رجالاً لن يسمحوا بعد كلّ هذه الشهادات أن يعود التاريخ إلى الوراء، فيما كثيرون يدهم على عجلته وتسعى بشدّة إلى إعادته إلى الوراء…
في الذكرى الرابعة على غياب جبران تويني، تعترينا مخاوف كثيرة، سنقولها..وسنقولها بصدق وفجاجة كما هو الواقع… ونقولها غداً.. لأن هناك شهيد آخر هو اللواء فرنسوا الحاج، الذي اختاروا أن يقتلوه في نفس التاريخ الذي قتلوا فيه جبران تويني، كلاهما ارتكبا جريمة الدفاع عن لبنان العظيم الأول بصوته وقلمه وقسمه، والثاني بقسمه وزنده وبندقيته…