المقاومة والسلاح والدولة
على الرغم من ان القضايا الحياتية مثل الاقتصاد والمال والبيئة والفقر والغلاء، وغيرها من الامور التي تهمّ الناس، قد اخذت حقها من مداخلات النواب لمناقشة البيان الوزاري، خصوصا ان المجتمع المدني اللبناني متعطّش الى العديد من المبادرات والقوانين والتدابير التي تعجّل في نقل لبنان من التخلّف الذي اوقعته فيه الحروب المستمرة على الساحة اللبنانية، والاضطرابات الداخلية التي عمّت مختلف المناطق منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى مواكبة مسيرة التقدم العالمية، الاّ ان موضوع المقاومة وسلاحها، وموضوع الغاء الطائفية السياسية، قد أثارا نقاشات مستفيضة واحياناً حادة في مجلس النواب، بين نواب يرون في تضمين البيان الوزاري اشارة خاصة الى المقاومة، وكأنها حالة خاصة في الجسم اللبناني، وبعيدة عن مؤسسات الدولة، خصوصاً مؤسسة الجيش، وتؤثر على مسار طاولة الحوار المرتقبة، وعلى النتائج التي سوف تنتج عن مداولات المدعوين الى هذه الطاولة، التي سيكون طبقها الرئيسي سلاح المقاومة والاستراتيجية العسكرية لحماية لبنان، وبين نواب يرون ان اي مقاربة لهذا الموضوع، لا تكون قريبة او متعاطفة او مؤيدة للمقاومة وسلاحها، كما هما اليوم، ومن دون اي تغيير او تعديل او مسّ بهما، انما هي نوع من العدائية والتخاذل، وعدم انصاف المقاومة، والاعتراف بتضحياتها وشهدائها ولبنانيتها.
هذا الاختلاف العميق في النظرة الى هذه النقطة الحسّاسة تكاد تكون مفصلية او مصيرية في حياة اللبنانيين وفي مستقبل وطنهم، بحيث اذا استمر الاختلاف هذا وتحوّل الى خلاف، فان هناك كارثة كبيرة تنتظر لبنان وشعبه، بوجود فريق يعتقد ان لا قوة في الارض قادرة على شطبه عسكرياً او حتى شطب اسمه عن بند في البيان الوزاري، وبين فريق لا يرى عيشاً مشتركاً، ولا سلاماً واستقراراً، ولا عدلاً في الرعيّة ومساواة، في ظل فئة تملك السلاح، وفئة ثانية عليها ان تخضع لهذا السلاح…
والاّ.
الغريب في الامر، ان الفريقين يتفقان ضمناً وفي الأساس، ومنذ زمن طويل، على حق لبنان المطلق في المقاومة، وعلى ان اسرائيل هي العدو، وعلى ان لديها اطماعاً في لبنان والدول العربية، وعلى انها ما تزال تحتل ارضاً لبنانية، وان على لبنان ان يحرر هذه الارض بجميع الوسائل المتاحة، ويمكن القول، وبكل صدق وصراحة وشفافية ومحبّة، ان خطاب حزب الله منذ زمن طويل، وحتى في اثناء مناقشة البيان الوزاري، لم يستطع ان يقنع فئة كبيرة جداً من اللبنانيين، ربما اكبر بكثير مما يتصوّر ويقدّر، بأسباب اصراره على عدم وضع قواته العسكرية، تحت امرة الدولة اللبنانية، التي يشارك هو فيها، في مجلس النواب والحكومة، والمؤسسات والحياة العامة، ويرأس هذه الدولة، رئيس جمهورية مقاوم، ورئيس مجلس نواب مقاوم، ورئيس حكومة ابن بيت ورئيس مقاوم، وقائد جيش مقاوم، وضباط وجنود ونواب مقاومون، ولم يرتفع يوماً صوت واحد من اي لبناني يطالب بنزع سلاح المقاومة قبل التحرير في العام 2000، بل ان جميع الاصوات تقول: ليكن هذا السلاح جزءاً من قوة الدولة، وعندها سوف يأخذ الشرعية التي تحميه وتحمي حامليه، فيطمئن الجميع الى ان هذا السلاح المرتبط قرار استخدامه بالدولة وحدها، لن يكون مرة اخرى وسيلة عنف وضغط وفرض في وجه الآخرين، ولن يسمع احد لاسرائيل او لغيرها ان هي وصفته بأنه سلاح ارهابي.
بين هذا المنطق، واللامنطق الذي وسم كلمات نواب حزب الله في جلسات مناقشة البيان الوزاري، بدا واضحاً ضعف ردود هؤلاء الذين اكتفوا بالتذكير بتضحيات الحزب وبشهدائه وبعدوانية اسرائيل واطماعها، وهذا امر يتفق عليه جميع اللبنانيين، ولا خلاف عليه، ليكرر نواب الحزب التذكير به عند اي كلام حول ضرورة شرعنة سلاح المقاومة بأن يكون جزءاً من الدولة، وليس الدولة، وهذا ما اكّده نائب رئيس الهيئة التنفيذية، للقوات اللبنانية النائب جورج عدوان، والنائب سامي الجميّل في كلمتيهما اللتين افصحا فيهما عن ايمانهما بضرورة وجود سلاح المقاومة، ولكن ليس خارج الدولة، ومن غير المفهوم سبب رفض حزب الله هذا الطرح الذي يريحه ويريح البلد والشعب، فينصرف الجميع الى البناء الداخلي دونما مشاكل وخلافات تعوق مسيرة الحكومة التي اريد لها ان تكون حكومة انقاذ اقتصادي واجتماعي ومالي، الاّ اذا كان لحزب الله حسابات اخرى وارتباطات، تحول بينه وبين التفكير لبنانياً في شكل كامل.