#adsense

الوفاقية المضحكة المبكية في لبنان: حجة “منع الحرب الأهلية”

حجم الخط

الوفاقية المضحكة المبكية في لبنان: حجة "منع الحرب الأهلية"

تتردد في الآونة الاخيرة مقولة "اولوية منع الحرب الاهلية" وان تكون في مقدم هموم الاداء السياسي في لبنان. دون شك ان الحرب الأهلية هي اسوأ ما يتعرض له شعب ووطن، وهي امر مكروه ومرفوض ولا خلاف على ذلك مطلقا. انما ان يتحول هاجس عدم السقوط فيها الى سيف مصلت فوق رؤوس السياسيين وعصا غليظة توجه صناعة القرار السياسي والوطني بعامة لدى هذا الطرف او ذاك فهذا بمثابة حرب اهلية بذاتها، كما ان هذا المنطق يشكل اسرع واقصر الطرق اليها !

والدافع الابرز لاثارة هذا الموضوع في هذا الوقت هو ما رسا عليه الوضع السياسي في لبنان جرّاء تشكيل الحكومة برئاسة سعد الحريري ومضمون بيانها الوزاري بعد مخاض عسير حمل دلالات كثيرة، اولها واهمها ان هذه الحكومة تعبر عن هشاشة النتائج السياسية لمرحلة امتدت منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري حتى تشكيل الحكومة اي ما يقارب السنوات الخمس.

كما انها التعبير الاشد وضوحا للرد الشرس على ما وصف بثورة الارز والاستقلال الثاني والتظاهرات المليونية، والذي تمثل باغتيالات حصدت رموزا وفاعليات، وتفجيرات واعتصامات وتهديدات وتهويلاً وممارسات مسلحة تمكنت في نهاية المطاف من الغاء نتائج الانتخابات التشريعية وتفتيت حركة 14 آذار والاكثرية النيابية وادت الى التباس وتساؤلات وحيرة ورفض وقرف لا بد انها طاولت الاكثرية الشعبية.

ان هذه النتائج التي آل اليها الوضع في لبنان، لا سيما بعد زلزال اغتيال الرئيس الحريري، وما تلاه من احداث وتطورات سياسية لا يجوز الاستهانة بها كمؤشر ان لبنان لا يزال في وسط حرب اهلية مستمرة منذ العام 1975 بأكثر من وجه، علنية احيانا ومستترة احيانا اخرى، تشهد تبدلا
لأدوار اطرافها المتقاتلة وانتقالهم من جبهة الى أخرى او من خندق الى آخر.

ان الحروب والنزاعات الاهلية ليست بالضرورة قصفا واشتباكات ومتاريس وجبهات وخطفاً وتشريداً فحسب بل لها اوجه ووسائل اخرى عنيفة، ظاهرة وخفية، عرفها اللبنانيون بعد توقف الاعمال الحربية اثر لجوء العماد عون الى السفارة الفرنسية في تشرين الاول من العام 1990 ودخول الجيش السوري الى ما كان يعرف حينها بالمناطق الشرقية المسيحية من لبنان.

ان اتفاق الطائف – التسوية المحلية والاقليمية والدولية التى كان من المفترض ان تنقل اللبنانيين الى السلم الاهلي جرى اغتيالها والانقلاب عليها عندما اغتيل الرئيس رنيه معوض يوم عيد الاستقلال واستبدالها بالنسخة السورية التي كرست حكماً سورياً شبه مباشر للبنان ألغى حكما اية نتائج مستقبلية لهذا الاتفاق وأدى الى تمديد الحرب الاهلية.

احداث كثيرة لا يتسع المجال لتعدادها محفورة في ذاكرة اللبنانيين تشهد على استمرار الحرب كان ابرزها تهميش أطراف لبنانية على حساب اخرى، ونزع سلاح احزاب وتسليح أحزاب اخرى، ونفي عدد من القادة السياسيين الى الخارج وسجن البعض الآخر.وبلغت تلك الممارسات ذروتها بالتمديد لرئيس الجمهورية اميل لحود واغتيال الرئيس الحريري وما تلاه من ممارسات وارهاب نفسي وجسدي. كما ان استدراج اسرائيل الى الحرب في صيف العام 2006 وحصاد "حزب الله" لنتائج تلك المغامرة وما تلاه من اعتصام في وسط بيروت وتعطيل مجلس النواب ومحاولة احتلال بيروت وترويضها في 7 ايار وصولا الى اتفاق الدوحة ما ادى الى تعطيل الحياة السياسية كما عرفها لبنان الحديث منذ تاسيسه، كل هذه الأحداث اضافة الى الالتفاف الاخير على نتائج الانتخابات التشريعية بحجة الوفاق الوطني اوصلتنا الى هذه الحكومة وما سوف يستتبعها من اداء سياسي وجهته معروفة سلفا. الا تدخل هذه الاحداث في سياق نزاع اهلي مستمر لا يزال البعض يدعو الى اولوية منعه؟

واليوم وبعد اكثر من عشرين سنة على الاغتيال الاول للطائف وفرض وصاية سورية على لبنان نشهد الانقلاب الثاني على الاتفاق المذكور عبر محاولة الغاء كل النتائج التي تحققت اثر تداعيات اغتيال الرئيس الحريري و ابرزها خروج الجيش السوري من لبنان ونهاية الوصاية السورية المباشرة. انما هذه المرة بواسطة افرقاء لبنانيين على رأسهم "حزب الله" عبر السعي لفرض وقائع جديدة تسعى لاعادة الاوضاع السياسية والامنية الى ما كانت عليه قبل اغتيال الرئيس الحريري في شباط من العام 2005.

ان النظام في سوريا له خبرة واسعة في اعادة عقارب الساعة الى الوراء ومن المفيد التذكير بالدور السوري في اسقاط اتفاق 17 ايار وتشكيل ما سمي حكومة الاتحاد الوطني برئاسة الرئيس رشيد كرامي والتي حاولت اعادة الامور الى ما كانت عليه قبل انسحاب الجيش السوري جرّاء الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 ومحاولة السيطرة على القرار اللبناني، ما ادى يومها الى مواجهة عنيفة مع الجبهة اللبنانية والرئيس الجميل والباقي معروف ولا مجال لسرده هنا.

لعله من الاجحاف تشبيه حكومة الرئيس الحريري بحكومة الرئيس كرامي في العام 1984، الا ان هذه الحكومة لا سيما بعد بيانها الوزاري تترجم دون عناء، موازين القوى في لبنان ودور السلاح والتهديد بالحرب الاهلية لتكريس نتائج سياسية على الارض لمصلحة فريق من اللبنانيين بزعامة "حزب الله". ولا يخفى على اي مراقب للاوضاع ان الحكومة الجديدة كرست هيمنة الحزب على القرار السياسي في لبنان مغلفا بشعار حمّال اوجه هو الديموقراطية التوافقية والذي بات يعني تعطيل القرارات والمواقف السياسية والعملية السياسية بعامة عندما لا تتلاءم مع توجهات ومشاريع قوى مسلحة من خارج الدولة وهذا ما تشهده دول اخرى في المنطقة.

ان تولي سعد الحريري زعيم الاكثرية النيابية رئاسة الحكومة يجعله وسيطا بين الاكثرية النيابية التي يمثلها المعارضة و ينزع عنه دوره كركن اساسي من اركان 14 آذار لا سيما في مثل الاوضاع الى تشكلت فيها هذه الحكومة والتي تسمى في القاموس اللبناني اجواء وفاقية ووحدة وطنية وحماية سلم اهلي الخ…

وبدل ان يبقى سعد الحريري على رأس اكثرية شعبية ونيابية ويكلف شخصا آخر برئاسة الحكومة اطلق رصاصة الرحمة على رأس 14 آذار بعد ان اصابها وليد جنبلاط اصابة قاتلة باستدارته نحو "حزب الله" وحلفاء سوريا.

ما هي الحكمة من تولي رئاسة حكومة يعرف القاصي والداني في الداخل والخارج ان القرارات الرئيسة والمصيرية وعلى الصعد كافة الداخلية والخارجية السياسية والاقتصادية تحتاج الى مباركة من "حزب الله" ومن وراءه؟ ان مبدأ الحد من الخسائر التي تعرضت لها حركة 14 آذار تقضي بقاء سعد الحريري زعيما للأكثرية اذا كان هناك من رغبة او نية للاستمرار في ما بدأه سعد الحريري ورفاقه بعد اغتيال والده. اما القول ان ذلك يقحم البلاد في نزاع اهلي فيبقى بالنسبة للكثيرين حجة ضعيفة وغير مقنعة. كما انه من الصعب ان نصدق ان الاجواء الاقليمية والداخلية الضاغطة كانت وحدها وراء قرار سعد الحريري القبول برئاسة الحكومة فالتحول غطاء لمرحلة وحالة سياسية رسمتها الوثيقة السياسية لـ"حزب الله" التي اعلنها السيد نصر الله عشية الاتفاق على البيان الوزاري ووضعت للبنان وحكومته الاطار المسموح التحرك ضمنه.

ان كل التفسيرات والاجتهادات السياسية واللغوية التي سمعناها من الطاقم السياسي اللبناني حول الميثاقية والتوافق والديموقراطية التوافقية يمكن وصفها في احسن الحالات بالمضحكة المبكية في آن واحد لان النتيجة النهائية للتوافق على الطريقة اللبنانية تعني الموافقة على سياسة ونهج "حزب الله" على اكثر من صعيد والمسألة لا تحتاج الى علماء في الفقه الستوري والقوانين بل ان تساؤلات المواطن العادي البسيطة كفيلة بالرد على كل هذه التفسيرات: ما هو التنازل او الصيغة الوسطية للتوصل الى تسوية مع الفريق الآخر والذي قدمه "حزب الله" بموضوع السلاح وموضوع قرار السلم والحرب والعلاقة بايران؟ النتيجة ان الفريق الآخر خضع لمشيئة الحزب وحلفائه مع تسجيل التحفظ الذي لا يقدم ولا يؤخر.

هل تم التوصل الى تسوية بشأن العلاقات مع سوريا علما ان وسائل الاعلام ذكرت انه جرى استبدال كلمة "ندية" بـ"الاخوية" لوصف العلاقات؟ ما الذي تغير في خطاب ومواقف سوريا وحلفائها اللبنانيين؟ لم يغيروا كلمة واحدة او موقفا واحدا بل ارتفعت اصواتهم لتعلن ان الفريق الآخر عاد الى رشده وتراجع عن طروحاته لمصلحة المواقف السورية من العديد من القضايا وبدأ البعض بتلاوة فعل الندامة؟

ماذا بشأن العلاقات الخارجية والاقليمة في وقت يشهد اكثر من ملف ساخن من العراق الى الانقسام الفلسطيني الى الحرب على الحدود اليمنية – السعودية الى تفاعلات مرتقبة للملف النووي الايراني الى تمدد الاصوليات الاسلامية المتشددة على اكثر من جبهة؟ هل يقبل "حزب الله" ان يقف لبنان على الحياد بين السعودية وايران، وبين رام الله وغزة، وبين طهران وواشنطن؟

هل صحيح ان هناك تفاهما على المحكمة الدولية؟ وهل غيرت قوى 8 آذار موقفها من المحكمة وما قد يصدر عنها ؟ علما ان الاجواء الاقليمية وبعض الاصوات المحلية باتت لا تتوقع نتائج من لجنة التحقيق تعكّر الاجواء الاقليمية المسترخية بعد توتر؟ وهل سقط الاتهام السياسي لسوريا بجريمة الاغتيال؟ واذا الجواب بنعم من حق اللبنانيين ان يعرفوا الاسباب؟ علما ان دعوى اللواء جميل السيد امام القضاء السوري تبعث اكثر من تساؤل في هذا الخصوص؟

سبحة الخلافات اكثر بكثير من هذه القضايا وتشمل الخصخصة وباريس 3 والتربية والاتصالات والثقافة وربما حتى السياحة والتوافق حولها مرة جديدة هو الموافقة تحت التهديد بسلاح التعطيل واذا اقتضى الامر بالحرب الاهلية.

محصلة القول وبعد ما وصلت اليه الاحوال في نهاية العام 2009، انه في الوقت الذي ينادي فيه البعض بأولوية منع الحرب الاهلية يحصد فريق ارباحه من حرب اهلية مستمرة وفريق آخر يحصد خيباته نتيجة استمرار هذه الحرب على حسابه.

انما الخيبة الكبرى اصابت قلة من اللبنانيين حلمت وبسذاجة بلبنان متعدد حداثي ليبرالي (ولو بسبب الشقوق بين طوائفه).
يبقى سؤال الى سعد الحريري: هل كان لديك يا دولة الرئيس خيارات اخرى؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل