لماذا قدّرت سوريا مواقف عون وهل زيارة صفير واردة ؟
دمشق تعود إلى اعتماد الإزدواجية في سياستها اللبنانية
قال وزير ونائب سابق تعليقا على زيارة العماد عون الثانية لدمشق، انه لا يصح معه القول "ما اشبه اليوم بالبارحة"، بل "ما ابعد اليوم عن البارحة"… فبعد "هز المسمار" في "حرب التحرير" يهز اليوم يد الرئيس الاسد ويشد عليها مرحبا وشاكرا بعد معانقة، وبعدما كان قد اشترط للانضمام الى "لقاء البريستول" تضمين البيان الذي سيصدر عنه "نزع سلاح حزب الله" ثم عاد واشترط لتأييد قوى 14 آذار الابقاء على هذا السلاح من اجل التحرير وان يكون جزءا من سلاح الدولة.
وبعدما كان يتهم سوريا بأنها وراء الاغتيالات والتفجيرات في لبنان، اخذ يدعو الى انتظار التحقيقات وعدم استباق نتائجها…
لقد فضّل العماد ميشال عون سياسة التلوّن التي تقضي بها الظروف والتطورات واتهم من لا يتغير بتغير ما بالجمود والتحجر، لذا رفض ان يكون له لون واحد ثابت، بل ان يكون لكل حالة لون، وهذا هو فن سياسة الممكن او سياسة "لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل مصالح دائمة"…
واذا صح ان العماد عون يعمل لدى سوريا على توجيه دعوة رسمية الى البطريرك صفير كي يسمع منه شخصيا ما يطمئنه في لبنان والمنطقة، فإن سيد بكركي الثابت في مواقفه الوطنية والتي لا تبدّل فيها لغايات سياسية او مصلحية، فان موقفه معروف وواضح من زيارة سوريا في الماضي وفي الحاضر. ففي الماضي اشترط ان يسبق الزيارة تعهد بانسحاب القوات السورية من لبنان، كي يكون لزيارته معنى ومبرر لدى اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا، لا ان تقتصر الزيارة على المجاملة وعلى شرب فنجان قهوة والقول: "عفا الله عما مضى"… وزيارة البطريرك صفير حاليا لدمشق تتطلب وعدا قاطعا بالمساعدة على قيام الدولة اللبنانية القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها وان لا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها، فتكون سوريا بذلك قد ساعدت كما هو مطلوب على تنفيذ البند المهم من القرار 1701، وان تساعد ايضا على ازالة الاسلحة الفلسطينية خارج المخيمات وضبطه داخلها استكمالا لمتطلبات قيام هذه الدولة، وان تساعد كذلك على ترسيم الحدود بين البلدين بدءا بمزارع شبعا كي يصير في الامكان وضعها في عهدة الامم المتحدة بعد انسحاب اسرائيل منها، فلا يظل الجدل العقيم قائما بين اسرائيل التي لا تنسحب من المزارع ما لم تعرف ملكيتها وفقا للاصول، وسوريا التي ترفض ترسيم حدودها ما لم تنسحب اسرائيل منها… ألم تعلن سوريا بلسان غير مسؤول فيها انها مستعدة للمساعدة على تنفيذ ما يتفق عليه اللبنانيون، وها انهم اتفقوا على طاولة الحوار عام 2006 على المطالبة بكل ذلك، ولم تبادر سوريا الى تقديم المساعدة المطلوبة للتنفيذ ولا حتى الى اعطاء جواب واضح عن مصير اللبنانيين المفقودين او المعتقلين في السجون السورية.
اما قول الرئيس الاسد للعماد عون ان له الفضل في انتخابات الرئاسة وفي تشكيل الحكومة وقول المستشارة السياسية والاعلامية في رئاسة الجمهورية السورية الدكتورة بثينة شعبان "ان مواقف عون وطنية وكانت جهوده دائما لمصلحة وحدة لبنان واستقراره ولمصلحة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وان هذه الموقف تحظى بتقدير كبير من قبل سوريا والرئيس الاسد"، فيعلّق الوزير والنائب السابق على ذلك بالقول: ان تقدير الرئيس الاسد لمواقف عون هو تقدير في محله، ذلك ان العماد ميشال عون عطل الانتخابات الرئاسية وحال دون اجرائها في موعدها الدستوري، على اساس اما ان يكون هو الرئيس او لا رئاسة، وبعد الاتفاق على ان يكون العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية كونه ليس من 8 ولا من 14 آذار، استمرت ازمة انتخابه رئيسا مدة ستة اشهر ورفض العماد عون ان يتبنى تكتله هذا الترشيح ويدعو نوابه الى حضور الجلسة تأمينا للنصاب، وقد كان هذا من الاسباب التي حملت النائب ميشال المر على الانسحاب من التكتل.
الى ان كان ما كان في اتفاق الدوحة… ورفع العماد عون سقف مطالبه لعرقلة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية مدة خمسة اشهر باصراره ليس على عدد الوزراء الذي يطالب به، بل على اختيار الحقائب ايضا وان يعود صهره جبران باسيل وزيرا للاتصالات من دون سواها… وهو ما اعتبرته سوريا مواقف وطنية اشادت بها وقدرتها لانها تصب في "خدمة" لبنان.
فرد عون على ذلك معربا عن تقديره لمواقف الاسد "وحرصه على سيادة لبنان ووحدته واستقلاله". فيا ليت عون كان لديه هذا الشعور من قبل لوفّر على لبنان واللبنانيين تحمّل عواقب "حرب التحرير" وبعدها عواقب "حرب الالغاء" وما خلّفتا من خراب ودمار وجعلا الطرف المسيحي يذهب الى مؤتمر الطائف مهزوما عسكريا وسياسيا، ويوافق مكرها على تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية.
والسؤال الذي يطرح في الاوساط الرسمية والسياسية والشعبية تعليقا على زيارة العماد عون الثانية لدمشق هو: هل عادت سوريا الى عادتها القديمة في اعتماد "الازدواجية" في سياستها فتكون مع الدولة ورئيسها وفي الوقت نفسه مع اصدقائها وحلفائها في لبنان حتى لو كان بعضهم خصم الدولة؟
وهل تظل تمارس بنجاح وتفوق سياسة اللعب على الحبال وعلى التناقضات في لبنان لتبقي اللعبة في يدها، ولتظل قادرة على ادارتها كيفما تشاء وبحسب الظروف والتطورات؟
الواقع ان هذه الازدواجية في السياسة السورية كانت تمارسها في الماضي مع الرئيس رفيق الحريري حينا ومع الرئيس لحود حينا آخر وكانت تفصل في خلافاتهما لصالح هذا او ذاك وكثيرا لصالح لحود، وهي كما يبدو تعود الى ممارسة السياسة نفسها فتنصّب العماد عون زعيما اول للمسيحيين في وجه زعماء المسيحيين في 14 آذار الى ان يقتنعوا بجدوى عودتهم الى بيت الطاعة ليصبح الجميع داخل هذا البيت… ووضعه ايضا في وجه الرئيس سليمان عندما تدعو الحاجة، وفي وجه الرئيس الحريري كلما خرج عن الخط المرسوم له، او لامس بقراراته ومواقفه الخط الاحمر، وبعدما وضعت سلاح "حزب الله" في وجه الجميع الى ان يزول الخطر الاسرائيلي ليس عن لبنان فحسب بل عن المنطقة…