الاناء السياسي نضح بما فيه واستعدادات تقبل الآخر معدومة؟!
مع انتهاء همروجة البيان الوزاري ونيل الحكومة الثقة، هناك من لايزال يبحث عن قواسم سياسية مشتركة كخلاصة لما تكرر الكلام عليه وعنه وفيه في مناقشات المجلس، من دون ان يصل الى ما يظهر تفاهم الحد الادنى بين خطين لا يمكن ان يلتقيا، طالما غاب ما يقال عنه في القاموس السياسي «استعداد تقبل الآخر» ليس على علاته بالطبع، بل من خلال معطيات من المستحيل تجاهلها؟؟
لقد بدأ التباين في البلد منذ وقت بعيد ولايزال تحت عنوان «سلاح حزب الله» على رغم كل ما قيل من مآخذ او ايجابيات وتفسيرات ممن هم مع نظرة المقاومة او ضدها بتحفظ. لكن الاسوأ في المطلق «عدم وجود استعداد لدى اي طرف لتقبل نظرة الآخر الى ما يطرحه، بل الى ما لا طاقة له على تغيير موقفه منه»!
قبل الانتخابات النيابية في حزيران الفائت، انطلق التسويق السياسي من نقطة من هو في غير موقع حزب الله وسلاحه (…) ومن هو في موقع المقاومة وسلاحها. وقد جاءت نتائج الانتخابات بما فيها الاقتراع على سلاح حزب الله متقاربة، وهي ليست حصيلة مؤثرة في المجريات السياسية العامة كما ظهر، حيث قيل ان قوى 14 آذار لم تعرف كيف تستفيد من اكثريتها، فيما قيل ايضا ان قوى 8 آذار عرفت كيف تضرب على وتر سلاح المقاومة الى الحد الذي سمح لها بأن تجعل الاكثرية النيابية شكلية. كما جعلتها تتقبل فكرة التوافق التي سرى مفعوله من خلال تفاهم الدوحة الذي جعل من الدستور اللبناني اطار المضمون غير قانوني، لاسيما ان مقولة النظام البرلماني الديموقراطي قد صرف النظر عنها جراء التلويح بالفتنة حينا وزعزعة الاستقرار والسلم الاهلي احيانا!
المهم في هذا السياق، ان الامور الشكلية قد انتظمت بين الموالاة والمعارضة عبر الصورة الحكومية التي جمعت الطرفين بأقل معدل من التفاهم الجدي على كل الامور، ومنها بالتحديد «سلاح حزب الله وعمل المقاومة». وهذا ما ظهر جليا في مناقشات جلسة طلب الثقة حيث غنى كل طرف على ليلاه، من غير ان يصل الامر باحدهما الى حد كسر التفاهم!
وما هو اكثر اهمية مما عداه، ان الذين صالوا وجالوا في اعلان تأييدهم ودعمهم وتمسكهم بسلاح المقاومة لم يتوصلوا الى تغيير حرف من المفهوم العكسي لمن هم ليسوا مع حزب الله كمنهجية سلاح مقاوم، فيما بدا واضحا ان التأييد قد مر واعطى صداه، مثله مثل الانتقاد الذي عبر عنه البعض من دون الوصول به الى حد تغيير قناعات الآخرين (…).
الى اين يمكن لقوى الموالاة والمعارضة ان تبقى على تفاهمها المختلف؟ هذا السؤال رد عليه مرجع رسمي كبير بقوله: «اننا في لبنان محكومون بتعدد وجهات النظر». وهذا لا علاقة له موقتا بمجريات اللعبة السياسية، غير ان استمرار هذه اللعبة بالتحديد كطريقة حكم وتعاط بين اللبنانيين، قد تصل بهم الى حد الشعور بأنهم في بلد لا نظام فيه ولا قوانين ولا اصول، ليس لان هناك وجهات نظر مختلفة، بل لان العمل بموجب هكذا متغيرات لا بد وان يلغي مفاهيم الدولة من جذورها!
والمؤكد بالتالي، ان الامور العالقة في البيان الوزاري وفي التفاهم المنطقي عليها، ستكون مطروحة بزخم امام طاولة الحوار التي سبق لها ان علقتها لاسباب معروفة. لكن من الصعب بل من المستحيل ان يستمر تغييبها تجنبا لمحاذير تطورها السلبي في حال اختلفت النظرة اليها على الارض!
اللافت الذي لا سابق له في حياتنا السياسية – البرلمانية ان «كثيرين من النواب انساقوا طويلا في مداخلاتهم وراء نقد الحكومة»، لكنهم في النتيجة وجدوا انفسهم او جعلتهم ظروفهم مؤيدين ومانحي ثقة.
كذلك، فإن كثيرين من النواب بدوا غير مقنعين في المواضيع التي تحدثوا عنها، وهذه ليست ظاهرة طالما ان الرابط بين المواقف هو الاساس الانتخابي الذي يحدد ماهية هذا النائب عن غيره. وفي الحالين لم يقل احد ان صورة المجلس النيابي كانت نافرة، بقدر ما كان اجماع على ان «الاناء السياسي ينضح بما فيه»، وقد نضح في اكثر من مناسبة وسيبقى ينضح قياسا على ما هو قائم في البلد من تعدد في وجهات النظر؟؟