الثابت الموقت
لم يفاجأ احد من اللبنانيين بالثقة العارمة، وغير المسبوقة في تاريخ الجمهورية، لانهم يعرفون ان التسوية السياسية التي حتمت تشكيل الحكومة على نحو غير مسبوق ايضاً في تاريخ الجمهورية ختمت بدورها تغييب الصوت المعارض الامر الذي حصل لولا ذلك الصوت الوحيد للنائب الزحلاوي نقولا فتوش، ولأسباب محض شخصية ولا يمكن بالتالي اعتباره معارضاً وحاجباً للثقة.
وما حصل في مجلس النواب على هذا الصعيد يعتبر انجازاً في بعده الوطني والسياسي، ورغم كونه كذلك الا انه شكل خروجاً على القاعدة الديمقراطية البرلمانية، التي تحتم وجود معارضة وموالاة.
فالموالاة تتولى الحكم بفعل الاكثرية النيابية التي منحها اياها الشعب والاقلية تقود تحت قبة البرلمان المعارضة من خلال المراقبة والمساءلة والمحاسبة.
الامر الذي فقده النظام الديمقراطي البرلماني الذي كان يشكل ميزة للبنان في هذا الشرق الذي لا يعرف الا الانظمة الفردية والديكتاتورية والشمولية الآحادية حيث لا مكان فيها للرأي الآخر ولحرية التعبير من موقع مختلف.
فلبنان اليوم، خسر هذه الميزة، وانضم بشكل او بآخر الى تلك الانظمة الفردية والشمولية وانتفت المساءلة والمحاسبة، انتفى معها دور ممثل الشعب، ومصدر السلطات جميعها، وان كان قد ربح تلك التسوية السياسية المفروضة من الخارج، وربح معها هدوءاً مشوباً بالحذر ومعرضها للسقوط في اي لحظة تتبدل فيها الامور او تتغير التوازنات بين من فرضوا تلك التسوية.
ولا شك في ان الرئيس سعد الحريري يدرك بعمقه هذا الامر وقد كاشف مجلس النواب به عندما اكد امامهم انه لن يسمح بأن يتحول مجلس الوزراء الى متاريس وعندما يحصل ذلك سيبادر فوراً الى طرح الثقة بنفسه وبحكومته.
ولهذا الموقف الشجاع الذي قوبل بتصفيق نواب الشعب الحاد، دلالات كثيرة وابعاد اكثر وحسابات وما يهم اللبنانيون هو ان لا تتحول تجربة الحكومة الحالية الى قاعدة، لانهم حريصون على نظامهم الديمقراطي بقدر حرصهم على ان لا تكون التهدئة التي ولدت من رحم الحكومة غمامة صيف في عز الشتاء، بل ان تتحول الى قاعدة ثابتة تعيد الاعتبار الى النظام الديمقراطي، لانه لا معنى لوجود هذا اللبنان من دونه.
