هذا اليَمّ التوينيّ
لا تستطيع الأيام والسنون تغييب جبران تويني وحضوره الساطع وصوته المدوّي، ولا تستطيع ان تحوِّله مجرَّد ذكرى، مجرَّد مناسبة، مجرد احتفال تكريمي ينتهي بانتهاء الكلمات وانسدال الستارة.
إنه هنا معنا. هنا دائماً. يتنقَّل بين المكاتب والطبقات والزملاء والزائرين، باسماً، مشجّعاً، مذكِّراً الجميع ان لـ"النهار" رسالة تتجاوز باهتماماتها حدود لبنان وقضاياه الى حدود العالم العربي وقضاياه، الى حدود الحرية في كل مكان، الى حدود الشعوب المناضلة دفاعاً وذوداً عن استقلالها وسيادتها.
إنه معنا، اليوم. غداً. وبعده. وبعد سنة وسنين.
هنا، لا يبارح المبنى الزجاجي الذي حاكه بيديه قطعة قطعة، وتابعه من الأساس حتى اكتملت حلته وانتشرت أسرة "النهار" بين طبقاته.
هنا، وسيبقى حاضراً في قلب "نهاره"، وقلوب النهاريين، يحثُّهم على المضيّ والإقدام في مسيرة الحرية والإباء، بشجاعة ومناعة وايمان.
وسيبقى في قلب لبنان العظيم، لبنانه الذي وهبه حبه الكبير، ولهفته، وشغفه، وأقسم له، وشهد واستشهد فداء عنه. وفي قلب كل لبناني يتطلَّع الى وطن سيد عزيز شامخ.
لا يمكن ان يتمَّ الاحتفال إن لم يتصدَّر جبراننا منبره وصفوفه، وإن لم تضج القاعة بدوي صوته الذي أجفل حتى الموت، وصانعي الموت، وأبناء الموت.
ها هو اليوم، ها هو يتابع تحضير مراسم الاحتفال بكل تفاصيله.
بل ها هو في مقدَّم الحضور، أول الواصلين، أول المتكلِّمين، أول المرددين "نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، أن نبقى موحدين، الى أبد الآبدين، دفاعاً عن لبنان العظيم".
ها هو جبران، جبراننا. وها نحن نتساءل، بحضوره المقيم فينا، ماذا يعني أن نكون أوفياء لـ"النهار" في ذكرى وارث آل تويني فيها أَباً عن جد؟
يعني أن نكون أوفياء للأوفياء، لحملة الرسالة والمشعل، للحقيقة والحريّة، للبنان الوطن والصيغة والنظام والديموقراطية المنزهة، للحداثة، للغة العربية والتراث العربي، ولحرّاس القيم والتقاليد الكتابيَّة، للمؤسَّسة التي اتسعت صفحاتها وأعمدتها وسطورها وكلماتها ومنشوراتها لكل الهموم الوطنيَّة والانسانية في هذه الأمة.
هذه العائلة النادرة، القريبة بفصولها من الحكايات والأساطير، القريبة برجالاتها وسيداتها من الينابيع الاولى للعطاء والتضحية والفداء.
جميعهم "استشهدوا"، في شكل أو في آخر، من جبران الجد المؤسٍّس الذي حمل همَّ العروبة وقضيتها التي كانت قضيته الاولى، حتى أُثقلت كاهله وانفجرت في قلبه ودماغه.
أما ذلك الجبل، ذلك الشهيد الحي، استاذنا غسان أطال الله عمره، فقد أعطى كل ما يملك. كل ما له. عقله، قلبه، خياله، ديناميكيته، ثقافته، شجاعته، رؤيويته الخلاَّقة، الى عشقه وهيامه ببيروت والقدس ورحاب العروبة الأصيلة التي ينتمي الى جذورها وتاريخها بكل وجدانه وعراقته.
في مثل هذا اليوم قبل أربع سنوات غادرنا الحبيب جبران على صهوة شهادة مدوّية وصلت دقَّات أجراسها الى أفياء القدس وحنوات فلسطين. حاملاً على كتف "نهاره" وعلى الكتف الأخرى لبنانه الذي جعله صلاة وحكاية للأجيال.
اليوم نجد أن مسؤوليتنا مضاعفة تجاه جبران الشهيد وجبران الجد، وتجاه ذلك الطود، ذلك الجبل، ذلك المعلم، تلك العلامة اللبنانيَّة الفريدة، معلمنا غسان، وتجاه "النهار" مدرستنا وبيتنا وعائلتنا التي انتقل مشعلها الى هذه الوردة الناصعة التي تقف صامدة ببسالة في وجه الرياح والعواصف.
لا تغرنَّكم فتوَّة نايلة جبران غسان جبران تويني، ولا يغرنَّكم هذا الضوء الذي يزقزق في وجهها وعينيها. فهي نايلتنا. وهي ربّانة هذه السفينة العريقة، المتخمة بالامجاد والأعباء والتضحيات والشهادات، وهي على قدر العزائم وقدر المسؤولية.
وعلى هذه الدرب، وفي هذا اليمّ التوينيّ الذي لا يعرف الهدوء ولا التعب، ستكمل نايلة المشوار.