#adsense

عدّ عكسي… من الذروة !

حجم الخط

عدّ عكسي… من الذروة !

تحوّلت الثقة الكاسحة التي حظيت بها حكومة الرئيس سعد الحريري اشبه بذعر جدي تملك كل ما تبقى من "مراهنين" على استعادة بعض مسالك الديموقراطية الطبيعية يوما الى لبنان. وصفة الرهان هنا، على ابتذال التعبير لفرط استخدامه في المصطلحات اللبنانية الرائجة، تبدو اكثر من واقعية، نظرا الى "تحليق" الانماط الموقتة والطارئة والاعراف القسرية في فضاء "النظام" الرديف الذي بات يحكم بقبضته الفولاذية كل مسار المؤسسات والسياسة، وليس في هذا الافق الواقعي ما يحمل ذرة قدرة لدى "القوى الديموقراطية" الحقيقية على رد هذه الردة على النظام الاصيل.

اذاً، هو ذعر مبرر بكل المقاييس حين يتحول التصويت على الثقة بالحكومة استفتاء لـ"الديموقراطية التوافقية"، ويرفع لواءها مجلس نيابي منتخب منذ ستة اشهر فقط، اي في ذروة حقبة تمثيله وتفويضه الشعبي التي لا يمكن الطعن فيها. حتى ان هذا المجلس بدا وكأن الامر اختلط عليه، فصوّت لنفسه تكرارا بهذه النسبة الساحقة التي حاكى فيها انماط "مجالس الشعب" في المحيط او "الاقليم" الديكتاتوري.

ولعل أغرب ما في هذه الظاهرة ان الاطار شبه الاجماعي للثقة النيابية يسقط بطبيعة الحال كل شبهة انقلابية، في حين ان الدافع اليها هو عامل "ايجابي" ظاهرا يصعب اقناع الناس بخطورته الباطنة، اي "التوافق" المريح الباعث مبدئيا على نقل البلاد من ضفة الى اخرى ولو عبر صيغة هجينة حمّالة اوجه ومنذرة على المدى البعيد اما بنظام فوضوي واما بالتهام النظام الأم من دون "عقد" جديد يستولد بديلا لهذا النظام.

غير انه وسط هذا التمزق الناشئ الجديد لأزمة النظام، وما دامت الغرائب اللبنانية لا تنفك تستولد بدعة تلو الاخرى تحت اناشيد "التسوية" الجارفة التي هي فوق كل اعتبار دستوري وديموقراطي، لن تفرغ جعبة "المراهنين" اياهم من بعض "التربص" الصبور بالتجربة الجديدة التي ربما، مع خطورتها القصوى على انتظام المؤسسات بفعل الاجهاز تماما على قاعدة الغالبية والاقلية، تحمل بذور تفجرها "من داخل" قبل اي عامل خارجي آخر. فالامر لا يتصل هنا بـ"التوافق" المزعوم، بل بخطورة تكريس مجلس النواب بذاته لانطباع قد يغدو قاعدة وعرفا، هو ان مبدأ الغالبية الحاكمة والاقلية المعارضة هو عامل تقويض للتوافق، وان شرط التوافق هو "سلطة جماعية". بذلك جرى رهن "السلم الاهلي" والاستقرار العام بتقويض نواة الديموقراطية وسحقها، الامر الذي لا يبقي مجالا امام "حفنة الديموقراطيين" سوى التربص الفعلي بالتجربة ومعاينة آلياتها التنفيذية داخل الحكومة وتعامل المجلس معها في المرحلة المقبلة للحكم على قابليتها للاستمرار او انهيارها.

واقع الحال ان حكومة تحظى بـ121 صوتا من اصل 128 نائبا، هي "المعادلة الذروة" لاختبار "الديموقراطية التوافقية". ويحق للمبشرين بهذا النمط "الديموقراطي" ان يضيفوا واقعة الثقة الى سجل مكاسبهم، مهما تشاطر الآخرون في تلوين هذه الحقيقة وتحويرها وتجويفها او إلباسها لبوس المبررات المتنوعة.

ولكنه مكسب ظرفي مفخخ شديد الخطورة يحمل بدوره بذور تفجّر آلي عند اي هبّة داخلية او اعصار خارجي، ما لم يتكيف "التوافقيون"، ولا سيما منهم ذوو الطبائع والمسالك والسياسات القسرية، بحد ادنى "طارئ" من القيود الدستورية. اذا نجحت هذه التجربة على الاقل بالتزام عالي المستوى لتنفيذ البيان الوزاري، تكون "الديموقراطية التوافقية" استدرجت من حيث شاء اصحابها ام لم يشأوا، طلائع التزام "نظامي" لا بد من ان يصب في نتيجته في خانة انبعاث "دولة" ومنطق دولة على الاقل. وما لم تنجح، وهي في ذروة ليس بعدها ذروات، فهي آيلة الى اطلاق العد العكسي لتلك الديموقراطية وسقوطها في مهلك من نالها ولم يعرف كيف يستثمرها او يوظفها.
ولعله الرهان الاضعف راهنا مع الاهازيج المتصاعدة للتسوية الجارفة، لكنه "رهان لبناني" ايضا بمعايير "تجربة المجرّب" ولو في اختبار "توافقي" حميد!

المصدر:
النهار

خبر عاجل