#adsense

زيارة واشنطن: الحق في ديبلوماسية لبنانية

حجم الخط

صديقة قديمة وجالية أساسية ويتسابق على خطب ودّها المعتدلون والممانعون
زيارة واشنطن: الحق في ديبلوماسية لبنانية

كان يفترض بزيارة رئيس الجمهوريّة اللبنانيّ العماد ميشال سليمان إلى الولايات المتحدة أن تكون محلّ إجماع ومؤازرة من جميع اللبنانيين بصرف النظر عن افتراق موقفهم من السياسة الأميركيّة في المنطقة أو من وعد "التغيير" الذي ترفعه إدارة الرئيس باراك أوباما.

فهذه الزيارة هي أولاً محطّة لتأكيد الوجه المتميّز والمستقلّ للحراك الديبلوماسيّ اللبنانيّ إذ يتولاه أركان الدولة. والرئيس سليمان يعمل على التوفيق بين محوري "الإعتدال" و"الممانعة" على الصعيد الداخليّ كما على الصعيد العربيّ. بمقدوره إذاً تأكيد الوجه "المستقلّ" إلى درجة بعيدة. والمفترض بالتالي أن يجمع المعتدلون والممانعون على دعم زيارته للولايات المتحدة، دعماً لموقعه المميّز من حيث هو معتدل مع المعتدلين وممانع مع الممانعين، ومن حيث إنّه يعطي الأولوية للعناصر التي تجمع ويحاول تقريب وجهات النظر في الأمور التي تفرّق. ليس مطلوباً أن يعبّر الرئيس اللبنانيّ عن وجهة نظر "المعتدلين العرب" حصراً ولا عن وجهة نظر "الممانعين العرب" حصراً، إنّه يعبّر عن الجامع المشترك بين المعتدلين والممانعين اللبنانيين والعرب، ويعبّر بذلك عن مصلحة لبنانية أكيدة في إيجاد مكانة لوطن الأرز على الخارطة الديبلوماسيّة الإقليميّة في ظلّ كل ما نعيشه من مفاوضات واتصالات وذلك على أكثر من صعيد، ومن ضمنها تلك الساعية إلى إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط.

والولايات المتحدّة الأميركيّة قد ينقسم اللبنانيّون حول الموقف من سياستها ككل، أو من إدارتها الحالية أو السابقة، لكن ذلك لا يلغي واقعة أنّها كدولة تعدّ صديقة قديمة للبنان على مرّ عهوده، سواء في الجمهورية الأولى أو الثانية، وفي ظلّ الوصاية السوريّة أو بعدها، وإذا كان هناك إجماع لبنانيّ على رفض السياسة الأميركيّة الداعمة لإسرائيل فهناك أيضاً تفاوت في تقدير مستويات هذا الدعم والأشكال الذي يتخذها وتفاوت أكبر في تقدير سبل التعاطي حيال هذا الدعم، بل وفي تقدير حدوده والمنحى الذي يتخذه. ليس يمكن بالتالي أن يرفع لبنانيّ عاقل واحد شعار مقاطعة الولايات المتحدة الأميركيّة، والموقف اللبنانيّ المعادي لإسرائيل ينبغي أن يستتبع حرصاً أكبر على تنمية العلاقات اللبنانية الأميركية وليس العكس، لما في ذلك ضمانة حمائية للبنان، ومن تعارض موضوعيّ مع المصالح الإسرائيليّة، فمقولة "صديق عدوّي هو عدوّي" ليست تصحّ على طول الخطّ في السياسة. أحياناً يستطيع "صديق عدويّ" أن يلجم عدويّ إن كان صديقي أنا أيضاً. وفي كل الحالات لا تكمن المصلحة الوطنية أبداً في إكثار الأعداء وإنّما في حصرهم في عدّو بعينه. السياسة الناجحة هي أن تحسن التفريق بين عدوّ وصديق. وهي أيضاً أن تحسن التفريق بين عدوّك وأصدقائه. وهي أيضاً وأيضاً أن تسعى إلى أن يكون لك أقل عدد من الأعداء وأكثر عدد من الأصدقاء. أما إن كان المنطق هو معاداة كل من كان صديقاً لعدوّك فإنك ستجد نفسك في النهاية وحدك.. أو وحدك محاصراً بـ"ظلم ذوي القربى".

ثم إن الولايات المتحدة الأميركيّة على ما يتناساه كثيرون هي مهجر أساسيّ من المهاجر اللبنانيّة، والجالية اللبنانية فيها لا يمكن أن تغيب من جدول أعمال العلاقات اللبنانية الأميركية. الممانعون يتغافلون هذا البعد كما يتغافلون محطات كثيرة من التاريخ اللبنانيّ. من الواجب في المقابل تذكيرهم بتلك الحقيقة.

فزيارة الرئيس اللبنانيّ ليست "حقاً دستورياً" فقط، بقدر ما هي "واجب وطنيّ" بالدرجة الأولى، وبقدر ما هي تصب حتماً في المصلحة الوطنية، المصلحة في تعزيز الطابع المستقل والمميز والجامع للديبلوماسية اللبنانية، وفي التأكيد بأن وطن الأرز يتجاوز ثنائية "معتدلين وممانعين" التي تقسّمه أو التي تقسّم الخارطة العربيّة، كما أن العلاقات اللبنانية الأميركية تتجاوز هذه الثنائية أيضاً، لأن باب الوصل بين بيروت وواشنطن هو تلك الجالية اللبنانية الضخمة والتي لا بدّ وأن تعطيها الزيارة الرئاسية اهتماماً ملحوظاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل