زيارة دمشق على محك الاستنابات··· والتضامن الوزاري!
لا يحق لأحد التقليل من أهمية الثقة غير المسبوقة التي نالتها الحكومة الحريرية، بعد أشهر من الصبر والمعاناة في التشاور والتأليف، خاصة وأن التصويت النيابي تمّ في أجواء توافقية قاربت حدود الإجماع السياسي النادر في العمل السياسي اللبناني!·
ولكن من حق اللبنانيين أن يطالبوا قياداتهم السياسية والحزبية، على اختلاف فئاتها وطوائفها ومواقفها، بترجمة تلك الثقة الكبيرة، وتجسيد أجواء التوافق، في خطوات عملية تؤمن انطلاقة قوية للورشة الحكومية، وتنظف الحقل الوزاري من الألغام المزروعة هنا وهنالك، وتؤكد على التسامح والتعالي عن الصغائر والمصالح، لتتحول الحكومة إلى فريق عمل منسجم قادر على الإنتاج والإنجاز!·
والقيادات السياسية تدرك، أكثر من غيرها، حجم التحديات وثقل المهمات التي تواجه الحكومة الوليدة، بفعل تراكم الأزمات والمشاكل الداخلية، إلى جانب تزايد مخاطر التطورات الإقليمية، واحتدام التدخلات والصراعات الدولية حول ملفات المنطقة الساخنة بدءاً من عودة العنف الأعمى إلى العراق، وصولاً إلى حرب الحوثيين المفتعلة على الحدود السعودية، مروراً بتفاقم الوضع الفلسطيني بين <فتح> و <حماس>، وتدهور علاقات الأخيرة مع القاهرة التي قررت إغلاق المعابر بين رفح وغزة!·
ولا نغالي إذا قلنا أن وهج <الثقة غير المسبوقة> سرعان ما يتلاشى عند أوّل محطة خلافية تقتحم طاولة مجلس الوزراء، إذا لم تلتزم <الأطراف الائتلافية> بأصول العمل المشترك والتعاون الجدي، لتحقيق النقلة النوعية المنشودة في العمل الحكومي، بعد سنوات مريرة من الخلافات والانقسامات، أدّت إلى ما أدّت إليه من شلل وتعطيل للماكينة الحكومية، وإشاعة حالة الفلتان والتسيّب في إدارات الدولة وأجهزتها المختلفة·
* * *
لا مصلحة لأي طرف سياسي محلي في خوض مغامرة تعطيل مسيرة الحكومة الجديدة، إلا إذا كانت ثمة إيحاءات خارجية مفاجئة بإعادة المتاريس السياسية إلى داخل مجلس الوزراء، الأمر الذي يعني عندها <عودة حليمة إلى عادتها القديمة>، وإعادة عقارب الساعة إلى زمن الانقسامات والصراعات، وعدم قدرة الأطراف القائمة بهذا التصرف الدراماتيكي على الالتزام بعهودها ووعودها التي دخلت على أساسها جنّة الوزارة!·
وإذا كانت الحكومة الحريرية قد تجاوزت <قطوع> الخلاف حول البند السادس، واكتفاء الوزراء المسيحيين لقوى 14 آذار بالتحفظ على هذه الفقرة في البيان الوزاري، فان وزراء المعارضة يواجهون موقفاً مشابهاً لامتحان مدى التزامهم الوزاري، ومعرفة حقيقة تضامنهم مع رئيس الحكومة، وذلك من خلال اتخاذ موقف علني وواضح من مسألة الاستنابات القضائية السورية، التي فاجأت الكثيرين، بمن فيهم حلفاء مقربين من دمشق، ومشاركين في الحكومة الجديدة·
الحرص على تنقية العلاقات اللبنانية – السورية من شوائب المرحلة السابقة، والعمل المخلص والجدي على ترميم طريق بيروت – دمشق، يفرض على الجميع الاعتراف بأن هذه الاستنابات اتخذت طابع <عراقيل متعمدة> أمام الرئيس سعد الحريري الذي اعرب أكثر من مرة عن رغبة صادقة في القيام بزيارة العاصمة السورية ولقاء الرئيس بشار الأسد، كخطوة أساسية لا بدّ منها لإعادة بناء العلاقات الأخوية بين البلدين على قواعد متينة من الثقة والاحترام المتبادلين، وانطلاقاً من الحرص المشترك على مصالح الشعبين والبلدين الجارين·
كل ما يقال عن أن المسألة قضائية بحتة، ولا خلفية سياسية لها، مجرّد كلام تبريري حيناً، وتضليلي أحياناً أخرى، نظراً لتداخل السياسة مع القضاء، والقضاء مع السياسة، ليس فقط في سوريا ذات النظام الرئاسي القوي، بل في اكثر الدول ديمقراطية، وبالتالي فان توقيت إصدار وإعلان الاستنابات، فضلاً عن الأسماء الذين طالتهم قد آثار الكثير من الهواجس حول جدية الترحيب السوري بزيارة رئيس الحكومة اللبنانية، المقررة أساساً في بنود التفاهم المتين بين دمشق والرياض·
* * *
الواقع أن زيارة الرئيس سعد الحريري إلى دمشق ليست نابعة من رغبة شخصية، بقدر ما هي تعبير عن إرادة لبنانية جدية في طي صفحة الخلافات مع الشقيقة الأقرب، والعودة إلى التعاون المشترك في إطار واضح يراعي سيادة واستقلال البلدين، ويأخذ في الاعتبار خصوصية كل بلد، والتي لا تحول، ولا يجب أن تحول، دون البحث في خطوات التكامل الاقتصادي والتنسيق السياسي، بما يعود بالاستقرار والازدهار إلى البلدين الجارين·
وإذا كان ملف الاغتيالات، وما نتج عنه من لجنة تحقيق دولية، وقيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، احتل واجهة الخلافات في المرحلة السابقة، فان مبادرة الحريري ترك هذا الملف للمحكمة الدولية، وإعلان التزامه المسبق بقبول كل ما يصدر عنها، كان يجب أن يشكّل مخرجاً مشرفاً للطرفين اللبناني والسوري، لتحييد هذا الملف عن عملية إعادة ترميم العلاقات المتصدعة بين البلدين، خاصة بعدما تسرّب من اتجاه التحقيقات إلى التركيز على دور عناصر أصولية متطرفة في جرائم الاغتيالات·
إن جمهور سعد الحريري، الذي لا يستطيع أحد أن يزايد على عروبته والتزامه القومي بقضايا الأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين، يدعم توجه زعيمه نحو دمشق لفتح صفحة جديدة تُعيد العلاقات الأخوية إلى الديناميكية المنشودة، انطلاقاً من إيمان هذا الجمهور الدائم بأن سوريا هي العمق الاستراتيجي للبنان، وهي أيضاً بوابة الوطن الصغير إلى الوطن العربي الكبير، فضلاً عمّا يجمع الشعبين من علاقات قربى ومصالح مشتركة فرضتها الجغرافيا وكرّسها التاريخ!·
* * *
زيارة دمشق لا مبرّر لها إذا لم تتوفر الأجواء السورية المناسبة لضمان نجاحها وتحقيق اهدافها·
والثقة غير المسبوقة لا معنى لها إذا لم تتُرجم تضامناً وزارياً حقيقياً بمواجهة الاستنابات السورية، وتأكيد الإرادة الجدية في طي صفحة الخلافات مع سوريا، بعيداً عن الأساليب والزكزكات التي ثبت ضررها على مدى تجربة الوجود السوري في لبنان·