#adsense

في اعتبار حكومة العدو “حزب الله” جيش لبنان

حجم الخط

في اعتبار حكومة العدو "حزب الله" جيش لبنان

"الدولة هي مشروع سياسي ذو طابع مؤسساتي تطالب قيادته في تطبيقها الناجح للأنظمة، باحتكار الإكراه البدني المشروع"
ماكس ويبر
احتكار الدولة للقوة
احتكار الدولة من ضمن مؤسساتها لحق استعمال العنف لا يعني بأي حال من الأحوال أنها جسم منفصل عن مكونات المجتمع يأتي ليفرض سطوته فينتزع كل مكونات القوة من المواطنين، بل إن فرض منطق النظام مدعماً بالقوة يشكل جزءاً من التعاقد الاجتماعي لانتظام المجتمع. وهذا يعني أن الدولة ليست مؤسسة منفصلة عن المجتمع ومضافة عليه، بل هي الشكل الأعلى لتنظيم هذا المجتمع.

على هذا الأساس فإن مسألة احتكار استعمال الإكراه البدني، تشكل إحدى أهم النقاط المحورية في منطق إنشاء الدولة، وهذا يترجم في كون كل القوى المسلحة والمنظمة على أراضي هذه الدولة تحت سلطة واحدة، تكون معرّفة على أساس أنها المرجعية السياسية العليا في الكيان. كما أن حق الفرد بالدفاع عن النفس، وحقه بامتلاك سلاح ما لهذا الغرض يكون حكماً تمت رعاية القانون، تتحكم فيه مجموعة من التشريعات الناظمة له ولاستعماله. وتنطبق هذه التشريعات بشكل متساوٍ بين جميع الأفراد المتواجدين على أرض الدولة.

وعندما يُذكر حق "الفرد" بالدفاع عن النفس، فهذا يعني أنه لا يحق لأي مجموعة من الأفراد، وتحت أي مسمى، إلا بما صرح به القانون، أن تؤلف تنظيماً مسلحاً أو شبه مسلح للدفاع الذاتي عن المجموعة أو المنطقة أو المدينة أو الوطن. فهذه المهمة هي حصراً من مسؤولية الدولة، وأي نشاط خارج سلطتها يعتبر خروجاً عن شرعية القانون ويعد عصياناً وسبباً مباشراً في تخريب أسس الاجتماع وتساوي المواطنين.

السنوات العجاف

قد تكون سنة 1969 المقدمة الأبرز لإجبار الدولة اللبنانية، تحت ضغط الإكراه والتهديد بفرط وحدتها، بالتفريط في حصرية حقها باستعمال العنف على أراضيها، من خلال القبول باتفاقية القاهرة التي أدت إلى تشريع عمل المقاومة الفلسطينية المسلحة على جزء من أراضيها، والذي ما لبث، وبسرعة، أن تحول إلى حال من الفوضى المسلحة، بعد لجوء أطراف أخرى على خلفية هذا الاتفاق، إلى التسليح المنظم، إما مع أو ضد مفاعيل هذا الاتفاق.

بالنتيجة، فإن هذا الاتفاق أدى في النهاية إلى الحرب الأهلية سنة 1975 وساهم في تسهيل العدوان الإسرائيلي وإنشاء الشريط الحدودي سنة 1978 ومن بعدها الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982.
لقد كان من المنطقي يومها، وفي ظل اختفاء معالم مؤسسات الدولة، وانعدام قدرتها على فرض النظام وحفظ الأمن، أن تنشأ منظومات تحت مسميات عدة، عقائدية وعملية، وتكون بديلاً عن الدولة من جهة وتتنافس مع المنظمات الأخرى للاستيلاء على مساحة أكبر من السلطة والهيمنة. وهذا ما كان عليه الوضع في ثمانينات القرن الماضي وقد كانت حرب "حزب الله" و"أمل" و"أمل" والفلسطينيين و"حزب الله" وباقي الأحزاب أمثلة على هذه الوقائع.

من ناحية أخرى، فقد شكل وضع الدولة المفككة حافزاً لمختلف أصحاب العقائد ومشاريع الأنظمة للسعي لفرض رؤياها وسلطتها لإحداث التغيير الذي تسعى إليه، ومن هنا أتى البيان التأسيسي الذي وضع لبنان في خانة التبعية لأمة "حزب الله"، وكان أساساً للخطاب التعبوي والسياسي لكل قيادات هذا الحزب على مدى عقدين من الزمن إلى أن أتت الوثيقة الجديدة التي صدرت أخيراً عن "حزب الله" والتي جاءت ملطفة بتعابيرها وإن لم يعلن فيها فك للارتباط مع الوثيقة الأولى.

مرحلة الطائف

كل ذلك قد يكون أمراً واقعاً إلى أن دخل لبنان في مرحلة اتفاق الطائف الذي شكل عقداً اجتماعياً جديداً للدولة، والذي فرض حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وبسط سلطة الدولة على كل أراضيها. ومن المعروف هنا أن نظام الوصاية فرض استثناء "حزب الله" غير المعترف أصلاً بوثيقة الطائف، من مسألة حل الميليشيات من دون أي مسوغ قانوني أو دستوري.

التسويغ المنطقي لاستمرار هذه الميليشيا كان تحت شعار المقاومة، وهذا المنطق اعتمد على مقولة ان الجيش اللبناني عاجز عن تحرير الجزء المحتل من لبنان بسبب التفوق الهائل الذي يميز الجيش الإسرائيلي عن كل جيوش المنطقة، فكيف بالمقارنة مع جيش بلد خارج من أتون حرب أهلية؟

وقد تمكنت الديبلوماسية اللبنانية المتمثلة بالرئيس الشهيد رفيق الحريري من تشريع هذا الواقع سنة 1996، بعد عدوان "عناقيد الغضب"، لبناء توازن مع العدو إلى حين تحقيق التحرير.
أما بعد التحرير سنة 2000 فقد نشأت مقولة جديدة بضرورة استمرار "حزب الله" في بناء توازن ردعي في وجه العدو الإسرائيلي يمنعه من العودة إلى العدوان بمختلف أشكاله، كما أنه تم بناء قضية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المعروفة التفاصيل، وحين سئل "حزب الله" عن مبرر تحرره من قرار الدولة في قضية السلم والحرب، كان الجواب حينها أن استقلالية "حزب الله" هدفها حماية الدولة ومؤسساتها وجيشها الضعيف من تبعات المقاومة.

بالطبع، فقد سقطت كل هذه المسوغات بعد حرب تموز 2006، فلا صواريخ "حزب الله" شكلت رادعاً استباقياً لمنع العدوان، ولا استقلالية قرار هذا الحزب حمى الدولة ولا حمى مؤسساتها ولا جيشها، بل على العكس فقد كان فعل "حزب الله" بخطف الجنود الإسرائيليين مسوغاً استعمله العدو لمضاعفة وحشية عدوانه وتوسيع مداه.

بالمحصلة، فقد توقفت الحرب بعد صدور القرار 1701 وعودة الجيش اللبناني إلى الجنوب الذي كان "حزب الله" رفضه لسنوات، ونشأت ظروف ومعطيات ميدانية جديدة، فرضت شروطاً جديدة على لبنان وسوريا بالنسبة لقضية السلاح وتهريبه عبر الحدود. ولا داعي في هذه المقالة لتكرار ما حدث بعد حرب تموز من انقسام خطير في الشارع وصل إلى حدود الحرب الأهلية بعد السابع من أيار 2008. وقد فرض اتفاق الدوحة يومها منطق التوافق على كل الأمور، وما زال لبنان حتى الآن تحت وطأة هذا الاتفاق على الرغم من أنه كان موقتاً ومحدودة صلاحيته إلى حين إجراء الانتخابات النيابية.

وقد فرض منطق الدوحة أيضاً نشوء حكومة توافقية تحت مسمى الوحدة الوطنية يكون لمكوناتها قدرة التعطيل وبالأخص في موضوع البيان الوزاري الذي فرض من خلاله تشريع المقاومة من خلال البند السادس الشهير.

اليوم نحن في ظل حكومة وحدة وطنية، وفي داخلها وزراء من "حزب الله" وأحزاب أخرى متحالفة معه يفرضون التوافق في كل شاردة وواردة، والمطلوب هو أن يكون نفس منطق التوافق هو ما يحكم مسألة "سلاح حزب الله" ووجهة وكيفية استعماله، يعني أن يصبح هذا السلاح في كنف قرار الدولة طالما أن حجة استقلاليته لم ولن تحمي من اعتبار العدو كل لبنان مسؤولاً عن "سلاح حزب الله".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل