المزاوجة السعودية
ليس مفاجئاً ما أعلنه الرئيس سعد الحريري عن أن السعوديّة لم تضع شروطاً لدعم لبنان، ولم تتدخّل في أي شأن من شؤونه الداخلية، فهذا الودّ السعودي "المجاني" للبنان عميق وكبير، إلى حدّ إثارة الاهتمام والتساؤل حتى بين السعوديين، الذين يكادون يسلّمون بأن للبنان في قلوبهم حبّ "شقَّه الله في الصدور".
قد يكون للجغرافيا السياسية "جيوبوليتيك" دورها في الاهتمام السعودي بلبنان، لكنه لا يكفي تبرير علاقة تتخطى الرعاية إلى الاحتضان، وهو ما عبّر عنه يوماً الملك فيصل بن عبد العزيز بالقول: "لو لم يكن لبنان موجوداً، لوجَبَ علينا ايجاده". وإذ سئل لماذا، كان جوابه: لأن لبنان رئة العرب، والمرء لا يعيش من دون رئة يتنفّس بها".
مع ذلك، لم تسمح السعودية لنفسها يوماً، منذ كانت العلاقة بين البلدين، أن تمارس ضغطاً على لبنان، من البوابة الاقتصادية ولا في المجال السياسي: لم يتعرّض العاملون اللبنانيون، وهم عشرات الألوف، يوماً لأيّ اضطهاد، ولا أوقفت الرياض يوماً مساعدةً أو دعماً. تماماً كما لم تطلب، في أيّ يوم، شكراً على مبادرة أو خطوة. لكأنّ أهلها يتقنون التواري خلف حسناتهم والعطاءات ولا ينتظرون جزاء ولا شكوراً إلا من ربّهم.
إحدى أقرب الصور الى هذا الموقف، ما شهده لبنان في مغادرته الأزمة التي رُسمت طريق نهايتها في الدوحة. فما بين عرقلة انتخاب رئيس الجمهورية التوافقي ميشال سليمان، وولادة حكومة الرئيس سعد الحريري، مطبّات كثيرة، عالجت الرياض أكثرها عن بُعد معظم الأحيان، ومن خلف الستارة دائماً. وحين كانت العُقد تقترب من الحلحلة كانت تؤثر تركها لأهلها يتفاهمون، فتبارك تفاهمهم، أو يختلفون مجدّداً فتحاول مُلكاً حتى يكتب لسعيها النجاح.
قد يبدو التذكير بأن اتفاق الطائف صناعة سعودية أساساً، من باب لزوم ما لا يلزم، إذ انه أمر مطبوع في قلوب جميع اللبنانيين، وخصوصا لجهة الحرص السعودي يومها على برمجة انسحاب القوات السورية من لبنان؛ ويكمله حرص دائم على استقلال لبنان، وترسيم حدوده، والنأي به عن دوامة الأزمات العربية والإقليمية، وعن وقوعه ضحية العدوان الإسرائيلي، وبلسمة جروحه عند كل اعتداء.
ألم يكن حال لبنان أحد دوافع مبادرة خادم الحرمين الشريفين الى المصالحة العربية الشاملة، لتحقيق موقف موحّد في مواجهة العواصف الآتية على المنطقة؟ أوليس ما يشهده لبنان اليوم من استقرار سياسي اولى نتائج الموقف الرجولي لملك السعودية، الذي أسقط كل عتب ولوم وتناقض لمصلحة التضامن العربي؟.
الأهمّ من كل ذلك، ان السعودية لم تقبل مرّة أيّ حلّ لأيّ أزمة على حساب لبنان: لم تساوم به وعليه، ولم تناور بمصلحته، أو تقامر، رغم ما لها فيه من قدرة إقتصادية لافتة: بلغت التدفقات الاستثمارية السعودية إلى لبنان حتى العام الفائت 8,4 مليارات دولار، أي 39,3 في المئة من مجمل الاستثمارات العربية.
حتى يوم تطاولت بعض الألسن عليها، لم تتراجع السعودية عن ثبات دعمها للبنان، وتحديداً خلال حرب تموز 2006 وما بعدها، فبلغت قيمة المساعدات السعودية خلال الحرب نحو مليار دولار، مضافاً إليها، بعد الحرب، مليار دولار وديعة في مصرف لبنان المركزي لدعم سعر صرف الليرة (مؤتمر باريس 3)، ونصف مليار دولار لمركز التنسيق لنزع الألغام في الجنوب. وكانت سبقت حرب تموز مساعدات بقيمة مليار دولار ووديعتان بقيمة مليار ومئتي مليون دولار (منها 700 مليون في مؤتمر المانحين في باريس 2002). ولا تدخل في هذه الأرقام المساعدات العينية ومنها المعيشي والطبي الحكوميان، إضافة إلى ما خلصت إليه الحملة الشعبية السعودية. لم تؤد حفلة "الردح" السياسي لجوقة "زغلول" المعارضة إلى ثني الرياض عما هو أهم من الدعم المالي، وهو العناد لأجل لبنان المستقل.
لكن هذا الاحتضان لم يعن للسعودية سوى تأكيد احترامها للبنان، دولة وشعباً ومؤسسات، ولم يسوّل لها يوماً خرق سيادته. ولعلّ استقبال سعد الحريري رئيس الوزراء الجديد في الرياض قبل أيام، بحفاوة رسمية وشعبية، وهو من هو في السعودية، يؤشر إلى مدى الحرص السعودي على صلات الاحترام بين البلدين. والرسالة التي انطوت عليها الزيارة متعددة العنوان، أولها أن احتضان لبنان، مهما كانت ضخامته وكلفته لا يعني أن "يستوطى حيطه"، وأن عمق المودة لا يلغي الاحترام بين الدول ومسؤوليها، وهذه المزاوجة السعودية هي ما تجعلها البوابة العربية للبنان إلى العالم.
يطمح البعض إلى أن يكون له المقام الأول لدى لبنان واللبنانيين، وهو طموح مشروع، لكن لا تكفي لتكريسه الجغرافيا والتاريخ، ولا أحكام الجوار، وأعباؤه، بل احترام سيادة الدول وحرية شعوبها في اختيار قياداتها.
المصالح تحدد العلاقات بين الدول، مبدئياً، لكنها تصبح إرغاماً إذا افتقدت احترام السيادات والمسؤوليات.