إيران وبدء العدّ التنازلي
تتجمع السحب الكثيفة في الفضاء الإيراني، سواءً المتكوّنة بفعل كثافة بخار الضغط الداخلي والغليان الطلابي الذي يُشارف على التحوّل إلى انفجار شعبي، أو الآتي عبر السّحب الداكنة السابحة من خارج، فيما إيران ما زالت تودّ ممارسة لعبة "الوقت" مع دول العالم، وتضييع زمن من هنا وأشهر من هناك، إلى أن جاء كلام أميركي من العيار الثقيل صدر بالأمس وهو بمثابة إعلان رسمي لبدء العد العكسي لإنهاء اللعبة الإيرانية، فحبس الإعلان الأميركي الرسمي الأنفاس: "بقي أمام إيران شهر واحد لتبدل موقفها في شأن برنامجها النووي وذلك تحت طائلة فرض عقوبات دولية جديدة عليها"، هكذا بهذه الطلاقة والصراحة والوضوح تحدّث مستشار البيت الأبيض للأمن القومي الجنرال جيمس جونز، ولم ينسَ مستشار البيت الأبيض الحديث عن "الصبر الأميركي" الذي بدأ ينفد…
هذه الغيوم الداهمة من الخارج، كانت إيران تواجهها في الداخل بعناوين لم يفهمها الذين سمعوا بها إذ أعلن عن "تخفيض الرتبة الدينية" للرئيس الإيراني السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، و"تخفيض الرتبة الدينية" هذا يحتاج ذهناً متوقداً لفهمه، على اعتبار أن العلم الديني ليس رتبة عسكرية، فإما عالم أو لا، وربما نحن مقصرون في فهم هذا السلّم التراتبي "القمّي" الذي أصبح كسلّم الرتب العسكرية، وبالتأكيد لا أفهم كيف يصل إلى مرتبة دينية من ليس عالماً، ولا كيف تنزع مرتبة علمية دينية، فأيّ علم هذا الذي يتحقق برتبة وينزع بسلبها؟!! وما بين غيوم الداخل والغيوم الداهمة من خارج، تتراكم غيوم نارية اللون هي أشبه بمفاجآت تسرب إشعاعي، لكأنها تأتي لتسرّع نفاد الوقت الإيراني العالق ما بين الضربة وبين العقوبات الموجعة، فقد نشرت صحيفة التايمز البريطانية عن وثائق سرية حصلت على نسخ منها مأخوذة من أكثر المشاريع النووية العسكرية الإيرانية حساسية.
وذكرت الصحيفة أن الوثائق التي بحوزتها تقدم وصفاً لخطة إيرانية مدتها أربع سنوات، ترمي إلى اختبار جهاز لتحريض النيوترونات، وهو المكوّن الذي يدخل في تركيب القنبلة النووية وتكون مسؤوليته إحداث الانفجار، كما أشارت إلى أن وكالات الاستخبارات الأجنبية تقدر أن تاريخ الوثائق المذكورة يعود إلى أوائل العام 2007، أي بعد أربع سنوات من التاريخ الذي كان يُعتقد أن إيران علقت فيه العمل في برنامجها النووي .
نقل عن خبراء مستقلين قولهم إن مركّب النيوترون لا توجد له أي استخدامات ممكنة، مدنية كانت أم عسكرية، سوى في مجال السلاح النووي، وأضاف التقرير أن هذه المادة هي عينها التي كانت استخدمت في صنع القنبلة النووية الباكستانية، والتي أخذت عنها إيران مخطط العمل في برنامجها النووي .
والسؤال اللبناني الصعب ما دام "كرعوبنا اللبناني على ما يبدو معلّق بالكرعوب الإيراني": ما الذي يترتب لبنانياً على عقوبات مشددة على إيران، وكيف سينعكس الأمر تحديداً على حزب الله عندما يُضيّق الخناق على أنبوب التغذية الإيراني الذي يتنفس منه؟
والسؤال الإقليمي الآخر، بعد انقضاء الشهر الإيراني الأخير ماذا سيكون الموقف الدمشقي في حال تم توقيع العقوبات القاسية، وهل ستضيق رقعة التمدد و"التفرفد" السوري أم ستتسع، فيكون لبنان وحزب الله ثمناً مدفوعاً على طريقة "الثمن ـ التلزيم" الذي دفعه لبنان مقابل عاصفة الصحراء البوشية الأبوية؟
والسؤال الفلسطيني: بالأمس تحدث محمود هنيّة في خطاب "مطنطن" عن نية حماس بتحرير كلّ فلسطين، وتحرير "القطاع" جزء من هذا التحرير فيما قطاع غزة منهك ومهدّم ومحاصر ويتآكل من الداخل، وبالكاد تمّ بناء بيتاً من الطين لأن مواد البناء تمنع إسرائيل دخولها؟
أما التطمين الأميركي الذي "ينقّز" بلد، فهو الذي أطلقه "جيفري فيلتمان" مؤكداً "أن أي اتفاق أميركي ـ إيراني لن يكون على حساب دول الخليج" وأن يصدر هذا الكلام عشية انعقاد قمة التعاون الخليجي في الكويت!! الغزل والتهديد في نفس الوقت لعبة تجيدها أميركا، مستشار يشدّ وآخر يرخي، أما ما بينهما فالسؤال "الممغوط" في انتظار انقضاء الشهر: هل تترنح إيران من الداخل، وتُخنق من الخارج فتنصاع ولو أننا نستبعد هذه الفرضية لأن العقل القابض على السلطة مظلم الأفكار وجامح الطموحات، أم تنقضّ إيران على الشرق الأوسط والمنطقة على طريقة عليّ وعلى أعدائي… وأي ثمن سيترتب على لبنان في حال كانت طائرة السلاح المضبوطة في مطار بانكوك قادمة من إيران إلى حزب الله؟ وفي هذا التوقيت بالتحديد، في ظل حديث إسرائيلي متصاعد عن عدم جدوى القرار 1701… على اللبنانيين أن ينتظروا المزيد من الوقت الضائع في انتظار تجمع الغيوم في الفضاء الإيراني وتحديد الجهة التي ستهب منها الرياح الإيرانية على المنطقة.