#adsense

النرجسي الخبيث

حجم الخط

النرجسي الخبيث

"وما زال تشرابي الخمور ولذتي
وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
الى أن تحامتني العشيرة كلها
وأفردت إفراد البعير المعبّد"
معلقة طرفة بن العبد 

قصة نرسيس

في الميتولوجيا الاغريقية كان "نرسيس" طفلاً فائق الجمال، وكانت أمه احدى الحوريات وأبوه كان النهر. تنبأ له "تريزياس" العراف بأنه سيعيش طويلاً بشرط أن لا يرى انعكاس وجهه في المرآة. بعد فشل احدى الحوريات بالتقرب منه، خادعته حتى أتى ليشرب من ماء بحيرة فرأى انعكاس وجهه في الماء، ومن كثرة اعجابه بجماله تجمد أمام البحيرة حتى مات وتحول الى زهرة النرجس التي أصبحت منذ ذلك الوقت رمزاً للحب بغير قلب أو دلالة على العاطفة غير الصادقة، ومن هنا استقت كلمة النرجسية وهي تعبير نفسي عن حب الذات.

النرجسية:

لا يعتبر علماء النفس النرجسية بحد ذاتها في مراحلها الناعمة مرضاً ولا حتى اضطراباً نفسياً، بل انها في حال بقيت محدودة تعتبر احدى وسائل الحفاظ على الذات وأحد أهم دوافع الإبداع الإنساني، ويعتقد أن معظم المبدعين يحملون معهم قدراً معيناً من النرجسية. أما الأشخاص المصابون باضطراب الشخصية النرجسية فهم يتميزن بشعورهم القوي بالأهمية والعظمة والتفرد، وهذا الاحساس لا يمكن اشباعه عادة بمعزل عن الآخرين الذين يصبحون ادوات لاعطائهم "حقهم" بالتعظيم والتبجيل والناس بشكل عام، حسب اعتقاد النرجسيين، أقل قدراً وقيمة منهم.

يكون النرجسي عادة شخصاً يستحق الاهتمام ومميز فعلاً علمياً واجتماعياً، ولكن هذا النجاح يجعله عادة يشعر بأن الكون يدور حوله فيبالغ في تضخيم انجازاته. ويعاني النرجسي كثيراً من عدم قدرته على اشباع رغباته في كل وقت وهذا ما قد يؤدي به أحياناً الى الكآبة.

احصائياً فإن نسبة تواجد هذه الحالة هي واحد على كل 250 شخصاً وهي أكثر شيوعاً لدى الذكور. وهو بالاضافة الى شعوره بالتفرد فهو لا يقبل النقد أو اللوم أو حتى النصح الاخوي، لهذا فنادراً ما تكون للنرجسي علاقات حميمة مع الآخرين.

ويعتقد علماء النفس ان المسببات النفسية لهذه الحالة هي تراكم الغضب أثناء الطفولة تجاه أشخاص محوريين في حياته كالأم والأب مثلاً. كما أن هذا الشخص يحمل شعوراً دفيناً بالدونية مما يدفعه الى المبالغة لتغطية هذا الشعور.

تظهر عوارض هذه الحالة عادة في سن المراهقة وتزداد مع العمر، وعلى الرغم من الشعور بالعظمة، فقد يبالغ في محاولة طلب رضى الآخرين، فيمتدح من يعظمه ويكيل التبجيل له. ويحقق النرجسي عادة نجاحاً باهراً في الدراسة أو الوظيفة أو على المستوى الاجتماعي، لكن همه ليس الانتاج بل نيل المديح.

وفي حال توقفت مصادر الاعجاب تظهر هشاشة الشخصية وضعفها. كما أن النرجسي يعاني من الخواء العاطفي فلا شعور بالحزن أو الفرح بل تقلبات متكررة في المزاج ومظاهر من الغضب المفاجئ.

ويميز النرجسي قدرات لغوية واضحة يستخدمها عادة لإظهار عظمته وتفوقه على الآخرين وليس كوسيلة لحسن التواصل مع الغير، فيحرص على استعراض قدراته اللغوية قولاً وكتابة.

أهم عناصر تشخيص النرجسي هي:
شعور بالعظمة والمبالغة في الانجازات والحاجة الى الإطراء وتوقع المعاملة الاستثنائية دون مبرر.
الإنشغال بخيالات النجاح الباهر والقوة والجمال والحب المثالي.
القناعة بالتميز وبالارتباط فقط مع أمثاله.
الحاجة الى ألقاب التعظيم والطاعة العمياء من الغير.
استغلال الآخرين لصالحه دون الاهتمام بشعورهم.
يحسد الناجحين ويشعر بأنهم يحسدونه.
مظاهر الغطرسة والتعالي.
الإكتئاب والقلق ونقص الشهية وأحياناً الإدمان.

ولكن أسوأ الحالات تكمن في "النرجسية الخبيثة" حيث تترافق العوارض المذكورة سابقاً مع تصرفات "معادية للمجتمع" بحيث يسعى من خلال الشعور بالفوقية الى أذية الآخرين.
وتؤدي هذه الحالة الى نوع من السادية في التعامل مع من لا يشبعون رغبات النرجسي الذي يسعى الى تدمير من يعارضونه أو ينتقدونه. وغالباً ما يكون النرجسي الخبيث "قيادياً ساحراً" وشديد الدهاء في تمويه أهدافه لدرجة تخدع حتى نفسه بحيث يظهر بمظهر طبيعي وحتى محب للآخرين.
وبحسب "غوستاف يونغ" فإن جزءاً بسيطاً من "البسيكوبات" موجود في المصحات العقلية، أما الغالبية العظمى فهي منتشرة بيننا وتحتل عادة مواقع قيادية ومتقدمة في السلطة بفعل سحرها وقدرتها على التأثير على العموم. انه منوم موهوب وقادر على الايقاع بالآخرين من خلال مخاوفهم وعبر استخدام الأكاذيب والدعاية كأدوات للسيطرة على العقول.

سيرة ذاتية نرجسية خبيثة:

ولد جميل السيد في قرية النبي ايلا في قضاء زحلة سنة 1950، ولا نعرف الكثير عن طفولته أو عن طبيعة علاقته مع أبويه لتفسير ما آل إليه. أصبح ضابطاً في الجيش اللبناني حيث خدم حتى سنة 1998 حين أصبح مديراً عاماً للأمن العام حتى 5/5/2005 حين قدم استقالته وتم اعتقاله على ذمة التحقيق في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

تعرض أثناء خدمته لمحاولة اغتيال على يد حزب الله قبل أن يصبح لاحقاً "الأكثر تعاوناً" معه. ظهرت مواهبه في فنون المخابرات مبكراً حين كان مديراً لجهاز الاستخبارات في جيش الطلائع تحت قيادة ابراهيم شاهين ومن ثم انتقل لاحقاً تحت قيادة العميد سيمون قسيس في عهد الرئيس أمين الجميل وصار يكتب التقارير عن اللواء شاهين نفسه. اصبح بعدها صلة وصل مع المخابرات السورية ومن بعدها تدرج ليصبح الضابط الأكثر قرباً من القيادة السورية.

عرف عنه انضباطيته وجديته فضلاً عن طموحه اللامحدود، ومن خلال هاتين الميزتين امتلك السيد قوة تحليل منطقية وقدرة على الاسترسال والاستطراد في الكلام.

بعد أن اصبح جميل السيد موضع ثقة الرئيس حافظ الأسد، أوكلت اليه مهمة تدمير النظام السياسي في لبنان، تمهيداً لابتلاعه بشكل نهائي بعد التوكيل الذي حصلت سوريا عليه عربياً ودولياً، وتم تجديده بعد المشاركة في حرب "عاصفة الصحراء" مع الولايات المتحدة ضد العراق.

وفي هذا الموقع تفنن السيد في تركيب الملفات ونسج الفتن وممارسة كافة وسائل الابتزاز، وقد كان يلقن مجموعة من الصحافيين المأخوذين بعبقريته وسلطته وبلاغته لينشروا له تحليلاته بأسمائهم وكثيراً ما كان يكتب المقالات للنيل من ضحاياه دون أن يوقع اسمه بحكم وظيفته.

وقد ساهمت نجاحاته في زيادة شعوره بالعظمة وتضاعفت شهوته للسلطة، وكان كلما اختلف مع أي من حلفائه لا يتورع عن تلفيق الملفات في حقه أو فضح ما يعرفه عنه من خلال وظيفته الرسمية.

وقد وصل به طموحه اللامحدود الى السعي لتغيرات تجعله رئيساً لمجلس النواب بعد اقصاء الرئيس نبيه بري المفترض أن يكون أحد أهم حلفائه في الخط نفسه. وقد تمكن أيضاً من السيطرة على النيابة العامة الاستئنافية التي أصبحت مثل خاتم في إصبعه. ووسيلة لتنفيذ مكائده في حق من يريد النيل منهم من أعداء أو حتى أصدقاء أو حلفاء. فعند جميل السيد، العدو هو كل من يقف في وجه تحقيقه لطموحاته اللامحدودة لا بالمكان ولا بالزمان.

بالمحصلة فقد كان الرجل يتمتع بثقافة واسعة وبلاغة واضحة في فن الكلام وقدرة على الاقناع بالاضافة الى جلد على العمل وصبر وقدرة على تركيب الأفخاخ والملفات. وكان شديد الحذر مع قدرة على ركوب الأمواج دون خجل أو حياء.

قد حقق خلال إدارته لجهاز الأمن العام نجاحاً مميزاً فجعله أكثر فعالية. ولكن كل ذلك كان مصحوباً بحب لذاته وإحساس بالتفوق والالوهية مما جعله يحصي كل المعلومات الممكنة عن السياسيين ورجال الفكر والصحافيين والفنانين ورجال الدين والاقتصاد حتى يتمكن لاحقاً من اصطيادهم وابتزازهم وجعلهم في موقع الدونية خدمة لإحساسه بالتفوق.

لبنان لن ينسى ما تسبب به جميل السيد من مفاسد، أما اليوم فيحق فيه قول "نزار قباني":
"والآن أجلس فوق سطح سفينتي كاللص أبحث عن طريق نجاتي". وأجمل ما يوصف به وضعه اليوم هو العنوسة، وهذا ما سيدفعه الى كل الوسائل للعودة الى مواقع الضوء حتى يهرب من الكآبة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل