تفاهم على العناوين وتباين في النظرات
ليس من المتوقع أن نسمع ونرى في لبنان وخارجه قراءة واحدة في الزيارة الأميركية للرئيس ميشال سليمان. فلا القراءات التي سبقتها كانت من باب الاجتهاد بمقدار ما بدت (رسائل) بالغة التعبير. ولا القراءات اللاحقة مرشحة للاكتفاء بالكلام المعلن خلال الزيارة و(الرسائل) التي خرجت منها، سواء على لسان الرئيس اللبناني أو على لسان الرئيس باراك أوباما.
واذا كان الرئيس الأميركي يرى أن لبنان (بلد مهم في منطقة مهمة)، فإنه يعرف ما الذي يساعد وما الذي يعرقل الوصول بالفعل الى (لبنان قوي مستقل وديمقراطي). والكل يعرف، في انتظار التفاصيل، ثلاثة أمور أساسية. أولها ان الترابط ليس فقط بين العناوين العسكرية والسياسية والاقتصادية التي كانت محور المحادثات بل ايضا بين الوضع اللبناني والاوضاع في المنطقة. وبالتالي بين علاقات لبنان مع اميركا وعلاقات اميركا مع دول المنطقة. وثانيها ان ما كان محل تباين في وجهات النظر مهم جداً وله تأثير على ما كان محل تفاهم. و ثالثها ان عناوين الملفات هي لقضايا بعضها محصور بالتفاهم بين اميركا ولبنان، وبعضها الآخر مفتوح على سياسات ومواقف لأطراف اقليمية.
ذلك ان الضغوط الأميركية المطلوبة لانسحاب اسرائيل من الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا وتسوية الصراع العربي – الاسرائيلي وضمان حق العودة ومنع التوطين تصطدم بالجدار الاسرائيلي. وما يطلبه لبنان من أميركا تطلبه أميركا نفسها، ولكن كل طرف ينظر اليه من زاوية محددة. فالمساعدات العسكرية لتقوية القوات المسلحة اللبنانية هي التزام أميركي. لكن الرئيس سليمان يريد سلاحاً يمكن الجيش من (محاربة الارهاب والدفاع في وجه العدو). في حين يكتفي الرئيس أوباما بالحديث عن بسط سلطة الدولة ومواجهة الارهاب، ويصعب أن يقدم سلاحاً لمواجهة الاعتداءات الاسرائيلية.
والتطبيق الكامل للقرار 1701 هو مطلب البلدين. لكن الرئيس اللبناني يسلّط الضوء على الخروق الاسرائيلية والحاجة الى ضغوط أميركية على العدو لتطبيق القرار. في حين ينظر الرئيس الأميركي الى (تهريب الأسلحة) الى حزب الله ويطلب من دول المنطقة وقف (التهريب).
والباقي هو المتفق عليه عبر النظر من الزوايا نفسها. وهو ما عبّر عنه أوباما بالقول ان المساعدات الأميركية (ليست فقط من منظار أمني بل أيضا في مجالات الاقتصاد والعدالة والتربية وتقوية المجتمع المدني). وهذا ما يحتاج اليه لبنان، لكن فائدته تبقى محدودة من دون ورشة اصلاحية هي مهمة اللبنانيين. وليس من السهل الاصلاح على أيدي المستفيدين من الوضع البائس في ظلّ الحكم بالاجماع.