#adsense

خالد مشعل والتهديد الطهراني الأول.

حجم الخط

خالد مشعل والتهديد الطهراني الأول.

طرح أحد الزملاء عليّ سؤاله مستفسراً:"لمَ قراءتك لأحداث السياسة تتوزع منذ شهرين تقريباً ما بين اليمن وحرب الحوثيين السادسة، وعلى الوثيقة السياسية لحزب الله، وعلى تسقّط أخبار المشروع النووي الإيراني، فيما الحيّز اللبناني غائب"، فأجبته أنني أعتقد وبشدة أنّ الشأن "الإيراني" هو المحرّك الأول والأهمّ لكلّ ما يدور ويُترقّب من أحداث آتية على المنطقة، وأنّ وضعنا اليوم يُشبه بداية تلك المقالة الشهيرة التي كان "حسني البرزان" في مسلسل "صحّ النوم" منشغلاً في كتابتها في فندق "فطوم حيص بيص"، تلك الجملة التي كان البرزان يحدق في الفراغ ثم يعكف على ورقته ليكتبها:"إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا يجب علينا أن نعرف ماذا في البرازيل"، وحالنا اليوم مشابهة تماماً:"إذا أردنا أن نعرف ماذا يحدث في اليمن، وفي العراق، وفي فلسطين، والأهمّ في لبنان، يجب علينا أن نعرف ما النيات التي تخبّئها للمنطقة طهران"!!

لم نكد نتوقف بالأمس عند الإعلان الأميركي عن مهلة الشهر الأخير لطهران حتى ترد على المجتمع الدولي بشأن نياتها النووية، حتى جاء الردّ الطهراني الأوّل سريعاً وبالأمس أيضاً، وكما تصوّرناه دائماً، إيران ستفجّر الشرق الأوسط كلّه انطلاقاً من جبهتين تندفعان معاً من غزّة ولبنان لإشعال حرب مدمرة مع إسرائيل إشغالاً لها عن حرب قد تشنّها على إيران… هذا على الأقل السيناريو الإيراني الذي تمّ الإعلان عنه بعد زيارة "ملهاة وساطة" يقوم بها خالد مشعل إلى اليمن ثم إلى إيران للتوسط بين إيران واليمن في الحرب على الحوثيين…

وزيارة خالد مشعل عملياً مناورة ديبلوماسية ليس إلا، واقتضى التمويه أن تبدأ من اليمن، ثم يفزّ مشعل إلى طهران ليعلن منها بالأمس كلاماً واضحاً لا لبس فيه فنقل عنه التلفزيون الإيراني قوله في مؤتمر صحافي: "إن جميع الجماعات الإسلامية ستكون جبهة موحدة مع إيران ضد إسرائيل إذا أقدمت على مهاجمة الجمهورية الإسلامية.. وإذا هاجمت إسرائيل بلداً، فسنكون جميعاً في المعركة نفسها".

لا يحتاج كلام مشعل إلى تحليل وتفسير فهو لا يمون إلا على "حماس" في غزّة ولا يملك جبهة غيرها ليدافع منها عن إيران، عملياً هذه هي الرسالة الأولى العلنية التي تبعث بها إيران عبر أحد أذرعها العسكرية في المنطقة.. أما جميعاً التي قالها مشعل فهي الرسالة الثانية، وهي ليست ورقة إيرانية مستورة بل معروفة ومعلنة ومصدرها لبنان وتحديداً "حزب الله"، وهو غير محتاج أبداً إلى إعلانها عبر مؤتمر صحافي ولا رسالة تهديد مباشرة لإسرائيل، لأنها جزء من بيانه التأسيسي ومحطات كثيرة من تصريحاته، وهو لم يتراجع عنها مرّة، وقد تجاوز دائماً الأمين العام لـ"حزب الله" كلّ الأسئلة التي طرحت عليه بهذا الشأن لأنها لا تحتاج إلى إجابة وربما حتى لا تشكّل استفزازاً للبنانيين ومادّة تستخدم في الضغط بشأن سلاح "حزب الله"…

لا يحتاج التأكد من أن لبنان سيكون الجبهة الثانية التي تهدّد إيران بإشعالها، هذا إن احتاجت أصلاً للتهديد بها، ففي سجل "حزب الله" كلام كثير صدر عنه حدّد فيه موقفه منذ ثمانينيات القرن الماضي في الدفاع عن إيران: "كلنا في لبنان حاضرون للتضحية بأنفسنا وبمصالحنا وبأمننا وسلامتنا وبكل شيء لتبقى الثورة في إيران قوية متماسكة". (النهار – 9 آذار 1987)، أما المحفّز الأساسي على هذا الدفاع المستميت عن إيران فلأنها تمثّل الآتي بالنسبة الى "حزب الله": "أن الجمهورية الإسلامية في إيران مسؤوليتنا جميعاً وليست مسؤولية الشعب الإيراني المسلم وحده، وعلى المسلمين أن يخدموها ويساعدوها لأنها قلب الإسلام النابض وقرآن الله الناطق" (العهد – 23 حزيران 1989).

إن تتبّع الأحداث اللبنانية السياسية اليوميّة مضيعة للوقت، فلبنان يعيش الآن في الوقت الإيراني الضائع لتقرير مصيرنا في المرحلة المقبلة، بالأمس أفادنا خالد مشعل ـ أفاده الله ـ أن الشعب الفلسطيني المنكوب في غزّة هو أيضاً "رجله معنا في فلق" التحوّل إلى دروع بشريّة لحماية مفاعلات إيران النووية ما ظهر منها ومنها استتر… والباعث على التشاؤم في كلام مشعل أنه يأتي في ذكرى مرور عام واحد على تضحية "حماس" بالشعب الفلسطيني في غزّة وتركه عرضة للمجازر المروعة التي ارتكبتها إسرائيل..

أما الباعث على الحزن، فتباهي أهل الممانعة بفرار تسيبي ليفني من بريطانيا لصدور مذكرة قضائية بمحاكمتها كـ "مجرم حرب" بسبب عملية "الرصاص المسكوب" في غزة أواخر العام الماضي ومطلع العام الحالي، فيما لم يجد من قرر العبث بأرواح فلسطينيي غزّة وسوقهم في مغامرة من أجل إيران من يُحاسبه، حتى عندما يعلن أنه على استعداد لسوق الشعب الفلسطيني إلى الذبح دفاعاً عن إيران!! يُلحّ عليّ السؤال: كم إيراني قتل منذ العام 1948 من أجل فلسطين أو لبنان، وكم معركة خاضتها إيران عندما كانت غزّة تذبح أواخر العام الماضي، ولماذا تجاهل خالد مشعل "منع مرشد الجمهورية الإيرانية للمتحمسين من الشباب الإيراني من الخروج إلى "الجهاد" دفاعاً عن أطفال غزّة"؟!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل