#adsense

مبادرات تُطفئ الطائفية في النفوس

حجم الخط

مبادرات تُطفئ الطائفية في النفوس

حـين وطـئ رائـد الفضـاء الأمـيركي ارمسترونـغ سطــح القمر، مفتتحا غزو الانسان الفضاء الخارجي، قـال ما معناه، انها خطوة صغيرة في مسيرة طويلة وكبيرة.
تذكّرت هذا المشهد الذي يعود تاريخه الى ستينات القرن الماضي، عندما كنت اتابع الأخبار على احدى الفضائيات، وكان رئيس الحكومة الشاب سعد رفيق الحريري واقفاً في منتصف الوسط التجاري في قلب العاصمة بيروت، ينتظر ساعة الصفر لاضاءة شجرة الميلاد العملاقة بألف لون ولون، ثم تبع ذلك هطول مئــات الوف الاوراق الملوّنة على الجمــاهير المتحلّــقة حول الشجرة، ترقص وتضحك وتغني وتفرح بقرب قدوم العيد، وبهذه اللفتة ذات المغـزى الوطـني والانــساني والدينـي من رئـيس الحـكومة السـنّي في عــيد ميلاد رسول السلام والمحبة والتسامح يسوع ابن مريم.

في ذات الليلة ربما، او قبلها بليلة، كانت ايضاً الوزيرة السابقة ليلى الصلح حماده ضيفة شرف وتكريم في احدى المدارس المسيحية في جونيه، بعد تدشينها مكرمة من الخدمات الانسانية والوطنية التي دأبت منذ سنوات مؤسسة الامير الوليد بن طلال على تقديمها في مختلف المناطق اللبنانية، وفتشت الوزيرة الصلح في كلمتها عن رياض الصلح المسيحي القادر على لعب الدور التوفيقي بين المذاهب الاسلامية في لبنان، كمثل الدور الذي لعبه الرئيس رياض الصلح للتوفيق بين المسلمين والمسيحيين عند بداية الاستقلال.

هذا هو لبنان الرسالة التي تكلم عنها البابا يوحنا الثاني، وهذه هي الخطوات الصغيرة العابرة للطوائف والمذهب التي تؤسس لمسيرة خلاص لبـنان من بـؤر العـفن والكراهية والتعصّب والعنف والارهـاب والحـروب، وانفتاح شعبه، كل شعبه، على الحداثة والمحبة والتسامح والاسلام والاستقرار، وهذه هي المبادرات الخيرة التي لا بد وان تفتح الباب واسعاً امام القيادات جميعها ليتمثلوا بها في المناسبات والاعياد الدينية التي تحمل في عمقها معاني الخير والايمان ومحبة الآخر وقبوله.

هل هي صدفة، ام تدبير الهي، ان تكون ليلى الصلح ابنة رئيس حكومة شهيد، وسعد الحريري ايضاً ابن رئيس حكومة شهيد، فيتصرف الاثنان، ليس انسانياً وحسب، ومن منطلق ايمانهما بدينهما، بل وطنياً ايضاً ولبنانياً وعربياً، وفق مفهومهما للعروبة الحقيقية، وليس المفهوم القبلي والمتزمت للعروبة، وانطلاقاً من هذين الموقفين، يمكن القول ان مثل هذه المواقف المتعالية على العصبيات الطائفية والمذهبية، هي التي تساعد على ازالة الطائفية من النفوس، التي لطالما نادى بها البطريرك الماروني نصرالله صفير، وتوسعها وانتشارها والبناء عليها، وحدها الكفيلة بإسقاط العقبات والهواجس وعوامل الخوف والتردد، لان البناء عندها يكون على صخر الوفاق الحقيقي، وليس على الوفاق المفروض بالقوة من الداخل ومن الخارج.

في الامثال الشعبية الكثير الذي يعبّر بدقّة عن واقع معيّن، فحين يقول المثل «مفتاح البطن لقمة، ومفــتاح الشـر كلمة» وحين يقول «هناك كلمة بتجنّن وكلمة بتحـنّن» يكون مستنداً في غالب الاحيان الى واقعة حدثت، او نصيحة قيلت، على ما كان يردده الاديب الشعبي الراحل سلام الراسي «ابو علي» وما فعله بالامس الرئيس سعد الحــريري، وما صــرّحت به الوزيرة ليلى الصلح، هو هذا المفتاح الخيّر، وهذه الكلمة الطيّبة، وتثمير مثل هذه الاجواء الايجابية وتخصيبها ونشرها، لا بد وان تترك وراءها عطرها الزكي الذي سوف يطرد في انتشاره روائح التعصّب والكراهية والفرقة.
رهان اللبنانيين على مستقبل واعد، يكون بالرهان عـلى تكاثر امثال سعد الحريـري ولـيلى الصـلح وغيرهــما كثر ايضاً، انما المحزن والمخيف، ان يتغلّب الجهل والشر والتعصّب الأعمى على هؤلاء الناس الطيبين، لأن لبنان عندها سيكون على أكفّ الف عفريت وعفريت.

المصدر:
الديار

خبر عاجل