
حليمة وعيون باسيل!
وقفت على خط الشام لآخذ سرفيس صوب عاليه. لم أجد من يُقلني. السيارات "فول" مزروكة بالأكتاف اللبنانية المتكاتفة مع الوجع السوري.
انتظرت وانتظرت الى ان بدأ الليل يدلهمّ، فقررت العودة الى البيت وغيّرت الطريق. سلكت درب الأشرفية لأذهب الى كسروان. قرّرت أن أمرّ من ساحة ساسين لآخذ روحا بالمكان. خي هذا نصب الشيخ بشير ورفاقه الشهداء . وهذه صورة العذراء مريم، وهؤلاء شباب يقفون على الرصيف وآخرون في المقاهي… شو حلوة بيروت! انهمرت على ذاكرتي أيام الحرب، فشعرت بالانتعاش، ليس لذكرى الموت المنهمر من المدافع السورية، انما من الكرامة المنهمرة من ناس البيوت والشوارع. لم يتغيروا كثيرا، وإن تغيرت بعض قياداتهم .
طريق الشام لا يمرّ عبر الاشرفية على الأقل، لكنه عاد يمرّ من طرق أخرى. فجأة إنفجر الحنان اللبناني المكبوت منذ فترة، ليواجه الحنان السوري، المتدفق علينا منذ ما يزيد عن ثلاثين عاما، وإن شهد بعض أفول في السنوات الخمس الأخيرة.
الله يهدّي البال! إرحموا مشاعركم فالانفعالات الفائضة تؤذي القلب والشرايين. شوي شوي، حتى طريق الشام ما عادت تحمل وطأة الدواليب اللبنانية الحارة التي تحفر فيها خنادق… ولن نقول الولاء كي لا نسخّف مشاعر الشباب، بل خنادق الأخوة ذهابا وإيابا!!
على كل حال الشام أكثر من كريمة ومستعدة لتحفر كل دروبها تحت وطأة الدواليب اللبنانية. المهم أن تعود حركة ذهاب وإياب اللبنانيين إليها ومنها، لتسجّل أعلى مستوياتها مثل أيام زمان.
رزق الله. رزق الله عندما كان الرؤساء لا يتنهّدون إلا بإشارة من إصبع عبد الحليم خدام. ورزق الله عندما كان المسؤولون لا يتناسلون الا بإيماءة من حواجب غازي كنعان. ورزق الله عندما كنا، وقبل الذهاب الى الأبدية، نسترحم إله عنجر رستم غزالة… كانت أيام عز والله، وبعض اللبنانيين اشتاق إليها كما يبدو. إيه اشتاقوا، ألم تتذوقوا مرّة مرارة الشوق؟ الله لا يجرّبكن!
حتى الآن المشتاقون كثر، وأكثرهم وعميدهم النائب ميشال عون. استوقفتني صورته مع سندة ظهره وهما في مرحلة المصافحة الحارة، قبل العناق الحار مع الرئيس بشار الأسد.
جنرال التحرير هجم لمعانقة الأسد ويداه تربتان على سواعده بحرارة تكاد تذيب جبال الجليد في الإسكيمو، بعدما أذاب "الجنرال" كل الجليد العالق بين البلدين. ولعله تمنّى في سره لو يكون أخطبوطا له أكثر من يد ليعانقه كيفما التفت، ويشكره على تكريسه إياه زعيم المرتدين الى بيت الطاعة.
اما الباسل باسيل الذي كادت الدمعة تفرّ من عينيه وهو يراقب عمه يعانق والده الروحي الجديد، فكانت عيناه تبرقان من شدة الوله والدهشة، كطفل وهو ينتظر "بابا نويل" ليقدم له هدية العيد. وكانت الهدية، الى جانب اللقاء المنتظر، مصافحة حارة تغلغلت الى مساماته الوطنية وألهبتها حبا .. بلبنان وشعبه العظيم أكيد!!!!
ولم لا! لم الانتقادات المنهمرة من هنا وهناك؟ لم لا نعود ونزحف شعوبا الى هناك؟ لم على حليمة ان تغيّر عادتها القديمة؟ مش حق. هذا كبت للحريات العامة وانتهاك لحقوق الانسان!!
حاليا أنا أنظم رحلة الى الشام على حسابي الشخصي لتقديم التهاني للقيادة السورية! إيه، التهاني، لنجاحها الباهر بإعادة لبنانيين – لبنانيين وليس اللبنانيين – الى الحظيرة، والإقبال منقطع النظير لحجز الأماكن في البوسطات المحملة بالنياشين التي سيعلّقها هذه المرة الشعب غير العظيم، على صدر تلك القيادة التي تعمل عن جدّ لمصلحة بلادها وأنا أحسدها!!!!!
أعود وأستشهد للمرة الثانية بما يقوله مختار ضيعتنا "معش لذة هالحياة"!!!
