مجموعة تناقضات تبرز قبيل زيارة الحريري لدمشق
العلاقة مع سوريا وسط توازن خطر داخلياً وخارجياً
تذكر الزيارات اللبنانية لسوريا في هذه الايام بالكثير من مشاهد المرحلة الماضية، وإن اقترنت في الايام الاخيرة بعذر وجيه هو وفاة شقيق الرئيس السوري بشار الاسد، وبمواقف لحلفاء دمشق يدرجون فيها بقوة المرحلة الجديدة من العلاقات، التي سيفتتحها رئيس الحكومة سعد الحريري مع العاصمة السورية، على انها انقلاب على الاعوام الاخيرة واعادة احياء النفوذ السوري ما قبل 2005، كما لو انها حرب نفسية يسعون فيها الى كسب النقاط مجددا في الداخل. ويتناقض هذا المشهد الذي يسعى البعض الى ترسيخه مع شعار مهم حرص الاميركيون على تكراره بعد خروج الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005 ولدى محاولتهم الدفع نحو معاودة المفاوضات السلمية، وحتى مع استعادة العلاقات الاميركية، مع سوريا، وهو ان لا صفقة على حساب لبنان، وهو ما يفهمه البعض على ان معاودة المفاوضات على المسار الفلسطيني الاسرائيلي لن تعني توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، في حين يقصد الاميركيون على نحو خاص التذكير بعدم بيعهم لبنان من سوريا، كما فعلوا بعد اتفاق الطائف ووصاية سوريا على لبنان، باعتبار ان موضوع اللاجئين يطرح في المفاوضات المتعددة وسبق ان اثير على مستويات عدة.
وتقول مصادر ديبلوماسية في بيروت انها تتابع عن كثب الزيارة المرتقبة للرئيس الحريري لدمشق وحيثياتها وظروفها ، الا انها لا تعتقد ان الامور يمكن ان تعود الى الوراء، خصوصا في ظل سؤال كبير يبقى مجهولا يتعلق بالمحكمة الخاصة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، اذ ليس صحيحا ان الزيارة قد تم ترتيبها مع المملكة العربية السعودية على اساس بيع السعوديين المحكمة من سوريا، اذ لو تم ذلك لما كانت سوريا في حاجة الى ما سمي الاستنابات القضائية في حق شخصيات لبنانية تسعى في رأي كثيرين الى اجراء مقايضة من خلالها، على رغم الكلام الذي نقله البعض في شأن الفصل بين القضائي والسياسي، كما ان المعلومات المتوافرة تفيد ايضا بعدم صحة وجود وعد سعودي بصرف النظر عن المحكمة. ومن المبكر جدا البناء على ظواهر الامور في هذه المسألة، علما ان الاستنابات السورية تزامنت مع زيارة المدعي العام لدى المحكمة دانيال بلمار للبنان مؤكدا وجود ما يكفي لايجاد اجوبة شافية لاهل الشهداء. وبحسب مصادر سياسية في بيروت فان احدا لم يسلم لسوريا بشيء اكثر من النفوذ الذي تحاول التذكير به وتثبيته في كل محطة، ومن بينها اخيرا محطة تأليف الحكومة، علما ان اعادة هذا النفوذ حصلت لدى مفاوضة الفرنسيين سوريا في عز اعتصام "حزب الله" وحلفائه في وسط بيروت من اجل ايجاد مخرج للحكومة برئاسة فؤاد السنيورة التي انسحب منها الوزراء الشيعة. فالخطأ الاساسي ارتكب في ذلك الحين، علما انه قد لا يكون توافر مخرج آخر لمحاولة حل الازمة في رأي البعض لعدم رغبتهم في بذل مجهود اضافي في هذا الاطار. وهذا الواقع لم ينف مراجعة بعض الدوائر الديبلوماسية الخارجية لاخطاء ارتكبت في هذا المجال، اذ لم يبذل الكثير من اجل مساعدة لبنان، وهو الامر الذي تراهن عليه سوريا، اي تعب الخارج ورغبته في الانتهاء من ازمات داخلية مستمرة في لبنان. وينبغي الاقرار من جهة اخرى بان السيف الذي شكله لبنان في يد الدول الكبرى، وقد استخدمته فوق رأس سوريا قد سحب من التداول علما ان هذا الاستخدام قد لا يكون افاد لبنان ايضا في بعض المحطات. وساهمت في سحبه من التداول عوامل طبيعية، من بينها تغير الرئاسة الفرنسية وانتقالها من الرئيس جاك شيراك الى الرئيس نيكولا ساركوزي وانتقال الادارة الاميركية من جورج دبليو بوش الى باراك اوباما. وقد يكون هذا هو التغيير الحقيقي والاساسي الذي جعل المشهد السياسي مختلفا مع بعض المترتبات الميدانية. اما القول بانقلاب جذري وعودة الى ما مضى فهو امر قد يطول في العمق صديقا مستجدا لسوريا هو العماد ميشال عون، اذا كانت صداقته تعني اعادة لبنان الى عهد الوصاية السورية بمقدار ما يُسأل عنه آخرون في قوى 14 آذار، في حال تخطي العلاقة اطار تحسينها عما شهدته الاعوام الاربعة الماضية، على اسس جديدة لا تنفي النفوذ والتأثير السوريين ولا تعيد دمشق الى سابق عهدها في لبنان. ولو حصل وشجع المسؤولون اللبنانيون سوريا على ان تكون مرجعيتهم السياسية مجددا فان ذلك يعني نهايته على ايدي هؤلاء الزعماء بحيث لن يجدوا من الدول من يقيم لهم اي اعتبار.
وبحسب المصادر السياسية فان احد ثلاثة امور ربما يمكن ان تثير خشية اللبنانيين من بيع لبنان من سوريا مجدداً وهي: اتفاق اميركي – سوري، او سعودي – سوري، او سوري – اسرائيلي، وأي من هذه ليس واردا، لان لا الاميركيون ولا السعوديون قد يكونون مستعدين لمواجهة مثل هذا الامر، علما ان اكثر ما يجب ان يخشاه لبنان في هذا الاطار هو مفاوضات سلمية بين سوريا واسرائيل، باعتبار انه يسهل بالنسبة الى اسرائيل ان تسلم الامور على حدودها مع لبنان الى دمشق من اجل نزع سلاح "حزب الله" والميلشيات الفلسطينية باعتبار انها وحدها قادرة على ذلك، وتلتزم تعهداتها في حماية الحدود وعدم تشكيل اي خطر على اسرائيل. لكن دون هذا الامر صعوبات جمة، من بينها في شكل خاص ان لا تغيير استراتيجيا يمكن ان تقدمه سوريا في مقابل استعادة الجولان المحتل راهنا، ففي زمن التقلبات التي تشهدها المنطقة، تفضل سوريا الحفاظ على تحالفاتها القديمة ومن بينها ايران بحيث لا مصلحة لها في الانفصال عنها. والبعض يرى انه قد يكون اهم بالنسبة الى سوريا ان تبدو ساعية الى تحرير الارض العربية المحتلة باعتبار ان المطالبة في ذاتها تبقى شرعية قوية للنظام تفقدها متى استعاد الجولان. وما يمكن ان يخشى منه على هذا الصعيد لا يبدو متاحا حتى لو تلاقت مصلحة سوريا مع مصلحة اميركا في الموضوع العراقي، فيما اختلفت في الموضوع نفسه مع ايران، او تلاقت مع المملكة العربية السعودية على تهدئة لبنان وتسهيل الامور فيه وعلى موضوع اليمن. لكن التغيير الذي يراقبه الجميع ويتطلع اليه لبنان هو علاقات صحيحة وودية مع سوريا. فهل تغيرت دمشق فعلا ام لا تزال كما كانت وفق ما يعبر عنه حلفاؤها في لبنان؟